حدَّثنا الحارث بن همَّام قال: أصابَني في يومٍ من الأيَّام شحٌّ في الجيب وضيقٌ في الحال، وكانَ الشتاءُ يَعضُّ بنابِه والبردُ يَلسعُ بذنابِه، فأردتُ أن أشتريَ معطفًا يقيني غائلةَ الصقيع وفضيحةَ العُري.
فقالَ لي صاحبي أبو المَغالط: "لا تُتعِب قدمَيك في الأسواق، فالدنيا كلُّها صارت في كفِّ اليد، وما عليكَ إلَّا أن تَضغَط هنا وتنقُر هناك، فيأتيكَ المتاعُ وأنتَ مُسترخٍ على أريكتك كالسلطان."
فقلتُ: صدقتَ يا أبا المغالط، وما أحسنَ هذا الزمان الذي يُحضِر إليكَ ما تشاء! فأخذتُ الجهازَ اللوحيَّ وفتحتُ ذلكَ السوقَ الذي يُسمُّونه إلكترونيًّا، وهو في الحقيقة متاهةٌ للعقول وفخٌّ للجيوب.
فلمَّا فتحتُ السوقَ رأيتُ من الصور والألوان ما أدهشَ البصرَ وشلَّ الفكر. كلُّ بضاعةٍ تُناديك كأنَّها مظلومة، وكلُّ سعرٍ يقول لكَ "أنا رخيص" وهو في الباطن أغلى من دمِ التنِّين. فبحثتُ عن معطف فظهرَ لي ألفُ معطف، منها ما هو مُعلَّقٌ على رجُلٍ يبتسمُ ابتسامةَ من لا يعرفُ البرد ولا رآه في حياته، ومنها ما هو مَنشورٌ على طاولةٍ كأنَّه جثَّةٌ تنتظرُ الدفن.
فأعجبَني معطفٌ بنِّيُّ اللون، صفيحُ القماش، وقورُ الشكل، كأنَّه خُيِّطَ في دارِ الخلافة. وكانَ سعرُه كذبًا كبيرًا، إذ كَتبوا بالأحمر: "السعرُ الأصليُّ مئةٌ وتسعون!" وكتبوا بالأخضر: "السعرُ بعدَ الخصم تسعةٌ وثمانون!" فقلتُ في نفسي: واللهِ لقد أنقذوني من مئةٍ كاملة! وبدأتُ أشعرُ أنَّ البائعَ ينفعُني لا أنَّني أنفعُه، وأنَّه محسنٌ كريمٌ لا تاجرٌ يطلبُ الربح.
وقرأتُ وصفَ المعطف فإذا هو يقول: "معطفٌ شتويٌّ فاخر، مُقاومٌ للبرد والمطر والثلج والريح." فقلتُ: سبحانَ الله، هذا ليسَ معطفًا بل حصنٌ! وتابعتُ فوجدت: "مناسبٌ لجميع المناسبات: العمل والزواج والسفر والتنزُّه." فقلت: والحرب أيضًا؟ ووجدتُ في الآخر: "تحذير: اللونُ قد يختلفُ قليلًا عن الصورة." فتجاهلتُ هذه الجملةَ الخبيثة كما يتجاهلُ المرءُ تحذيراتِ الطبيب.
ثمَّ نظرتُ إلى التعليقات، وهي ذلكَ الكتابُ المقدَّسُ الذي يفصلُ بينَ الحقِّ والباطل. فوجدتُ: "ممتاز، جودةٌ عالية، وصلَ سريعًا، سأشتري عشرةً أخرى." وكانَ قد كتبَها رجلٌ اسمُه "م.أ" ولا صورةَ له. ثمَّ وجدت: "جيِّدٌ لكنَّ اللونَ مختلفٌ قليلًا." ثمَّ وجدتُ في الآخر تعليقًا مكتوبًا بدمِ القلب: "المنتجُ وصلَ وكأنَّه غسَّالة لا معطف!"
فوقفتُ عند هذا التعليق طويلًا وقلبي يتردَّد، لكنَّ الخصمَ الخمسينيَّ كانَ يصرخُ في أذني فأسكتَ صوتَ العقل وأطعتُ صوتَ الجيب. فضغطتُ على "أضِف إلى السلَّة".
ولمَّا ضغطتُ ظهرَ لي السوقُ فرحًا مسرورًا يقول: "الناسُ الذين اشتَروا هذا اشترَوا أيضًا..." ثمَّ عرضَ عليَّ خمسينَ منتجًا لا حاجةَ لي بها، من بينها غلَّايةٌ كهربائيَّة وزوجُ جوارب بنقوشِ القطط ووسادةٌ للعنق للسفر. فقلتُ: أنا لا أسافر! لكنَّني اشتريتُ الوسادة.
وجاءَ يومُ التسليم بعدَ خمسةِ أيَّام، وكنتُ في كلِّ يومٍ أفتحُ التطبيقَ لأرى حالَ الشحنة. في اليوم الأوَّل: "طلبُك قيدَ المعالجة." في الثاني: "تمَّت المعالجة." في الثالث: "الطلبُ في المستودع." في الرابع: "الطلبُ خرجَ للتوصيل." في الخامس: "تعذَّرَت عمليَّةُ التوصيل لعدم تواجدِ المستلِم."
فصحتُ: كيفَ تعذَّرَت وأنا لم أخرُج من البيت منذُ أربعةِ أيَّام بانتظاركم؟! واتَّصلتُ بخدمةِ العملاء فردَّت عليَّ موسيقى هادئةٌ جميلة ثمَّ صوتٌ آليٌّ قال: "اضغط واحدًا لمعرفةِ حالةِ الطلب. اضغط اثنين للإلغاء. اضغط ثلاثةً للتحدُّث مع موظَّف." فضغطتُ ثلاثة. فقال: "جميعُ الموظَّفين مشغولون، يُرجى الانتظار." وعادت الموسيقى.
انتظرتُ ربعَ ساعة. ثمَّ نصفَ ساعة. ثمَّ ساعة. وفي نهاية الساعة قالَ الصوت: "شكرًا لاتِّصالك، وداعًا." وقُطِعَ الخطّ.
وفي اليومِ التالي قرعَ البابَ رجلٌ يحملُ صندوقًا صغيرًا كأنَّه علبةُ أحذية. فقلتُ: هل هذا معطف؟ قال وهو لا يُبالي: "أنا فقط أُوصِّل." فأخذتُ الصندوقَ وفتحتُه فخرجَ منه معطفٌ لونُه يُشبهُ لونَ الطين بعدَ المطر، وحجمُه كأنَّه خُيِّطَ لطفلٍ في العاشرة. وتذكَّرتُ التحذير: "اللونُ قد يختلفُ قليلًا"، وعلمتُ أنَّ "قليلًا" عندَهم تعني "كليًّا وجذريًّا وبالكامل."
فأردتُ إرجاعَه فوجدتُ أنَّ الإرجاعَ يشترطُ: أن يكونَ في عبوَّتِه الأصليَّة (رميتُها)، وأن يكونَ لم يُلبَس (لبستُه لثانيةٍ واحدة)، وأن تتمَّ الطلبُ خلالَ ثمانِ ساعاتٍ من الاستلام (مضَت اثنتا عشرة). فجلستُ أمامَ ذلكَ المعطفِ القبيح وقلتُ: اللهمَّ إنَّ هذا قَدَري، وأشهدُ أنَّ الشتاءَ قاسٍ والتجارةَ أقسى.
ومنذُ ذلكَ اليوم، أقسمتُ أن أشتريَ من السوق القديم، وأن أجسَّ القماشَ بيدَيَّ، وأن لا أُصدِّقَ خصمًا كُتبَ بالأحمر أبدًا، فإنَّه كذبٌ أحمر على خلفيَّةٍ بيضاء.