- إنضم
- 15 مايو 2024
- رقم العضوية
- 14120
- المشاركات
- 545
- مستوى التفاعل
- 482
- النقاط
- 81
- توناتي
- 100
- الجنس
- أنثى
LV
0

خلال رحلاتنا، نواجه أحداثًا تجعلنا نكتشف جوانب مختلفة من العالم والبشر، بعضها لا يمكن الحكم عليه بالخير أو الشرّ بسهولة، فكثيرًا ما يكون انطباعنا الأول عن الآخرين مملوءًا بالأحكام المُسبقة، فنكتفي بما نراه دون أن نتساءل عمّا وراء أفعالهم، لكن ماذا لو منحنا أنفسنا فرصة لفهم ما لا نعرفه قبل أن نُصدر أحكامنا ؟
من هنا، أجد نفسي أتوقّف عند شخصيّة من أبرز الشخصيات التي ظهرت في آرك نمل الكيميرا من أنمي Hunter x Hunter، وهي شخصية الملك ميرويم، حيث يبدأ هذا الآرك بظهور ملكة نمل الكيميرا التي تتغذى على كائنات مختلفة وتنقل صفاتها إلى نسلها، وعندما بدأت بالتغذي على البشر، ظهر جيل يمتلك قدرات عقلية وجسدية استثنائية تمهيدًا لولادة الملك وحراسه الملكيين، حتى وُلد الملك ميرويم قبل أوانه ما تسبّب في مقتل الملكة، فبدأ حياته مؤمنًا بأنّ القوة هي المعيار الذي يحدّد قيمة الكائنات، وأنّ الأقوى هو الأحقّ بالسيطرة.
كان ميرويم يبحث عن خصوم يتفوّق عليهم، ويختبر قدراته الذهنية مثلما اختبر قوته الجسدية، فقد اعتاد أن يكون الأقوى، وأن يخضع الآخرون لإرادته، وكان يتوقع أن يثبت تفوّقه في أيّ مجال يخوضه، لذلك عندما واجه لاعبين محترفين في ألعاب مختلفة كان يهزمهم واحدًا تلو الآخر، لكن كوموغي كانت مختلفة؛ كانت فتاة عمياء، ضعيفة جسديًا، لا تمتلك سلطة ولا قوة قتالية مثله، ومع ذلك كانت تهزمه في لعبة الغونغي مرارًا، لم تكن تخاف منه كما يخافه الآخرون، ولم تكن تحاول إرضاءه أو التظاهر بالضعف أمامه، بل كانت تلعب بكلّ ما لديها، وتتمسّك باللعبة لأنّها المجال الوحيد الذي تشعر فيه بقيمتها، وهنا بدأ التغيير الحقيقي في داخله؛ فميرويم، الذي اعتقد أنّ التفوّق حقٌّ للأقوى، وجد نفسه عاجزًا عن هزيمة فتاة لا يستطيع فهم مصدر قوتها، وتدريجيًا بدأ يكتشف أنّ العالم أوسع من القوة والسيطرة، وأنّ هناك الكثير مما لا تستطيع القوة أن تمنحه إياه.
أمّا التغيير الجوهري، فكان أثناء المعركة مع نيتيرو رئيس جمعية الصيادين، حيث اعتُبر ميرويم مصدر التهديد الأكبر للبشرية، وأصبح التخلّص منه ضرورة بأيّ طريقة ممكنة، في البداية لم يكن ميرويم يسعى إلى قتال نيتيرو؛ فقد أراد تجنّب إهدار الوقت في معركة لا يرى ضرورة لها، خصوصًا بعدما بدأت نظرته نحو البشر تتغيّر، لكن ذلك لم يمنع المواجهة بينهما.
كان ميرويم يظنّ أنّ البشر يتمسّكون بالحياة لأنّهم ضعفاء ويخشون الموت، لكنّه أدرك مع تقدّم المعركة أنّ نيتيرو لم يكن مستعدًا للتراجع، بل كان مستعدًا للتضحية بحياته من أجل البشرية، حتى وهو يعلم أنّ النّصر قد لا يكون حليفه، وهنا بدأ ميرويم يرى شيئًا لم يكن يفهمه من قبل؛ فنيتيرو لم يكن يقاتل لأنّه يضمن الفوز، بل لأنّه يرى أنّ حماية البشر تستحق أن يُخاطر بحياته من أجلها، وهذا ما جعله يتساءل عمّا إذا كانت القوة وحدها كافية للحكم على الآخرين وتحديد مصيرهم.
نيتيرو فهم بلحظة ما اشتعال الرّوح الإنسانية داخل ميرويم وأراد إعطاءه فرصة من داخله، إلّا أنّه اختار التمسّك بمبادئه، وبالفعل، ضحّى نيتيرو بحياته محاولًا قتل ملك النمل مُستخدمًا قنبلة "وردة الرجل الفقير"، لكنّ ميرويم لَم يمت نتيجة الانفجار نفسه؛ فقد نجا منه، إلّا أنّ السّم القاتل الذي خلّفته القنبلة أدى في النهاية إلى موته، ومع معرفته باقتراب نهايته، فضّل قضاء لحظاته الأخيرة في لعب الغونغي مع كوموغي، لتنتهي حياتهما معًا.
هذه هي النّهاية في القصة الأصليّة، ولكن تشاء أنفُسنا لو نستطيع التماس ولو القليل من رغباتنا، هنا حيث سيكون التغيير، فأنا لا أودّ تغيير الأحداث لمجرد أنّها مؤلمة، بل أودّ تغيير الحدث الذي أنهى حياة شخصية لم أعرف كامل إمكاناتها، لا أريد لبداية تغيّر أفكار ميرويم أن تكون نهايته، وإنّما بداية لقصة حقيقية.
بناءً على ذلك، لن تنتهي المواجهة بين نيتيرو وميرويم بالتضحية والموت، بل باتفاق ومفاوضات، بالتأكيد لن يحدث ذلك بهذه السهولة؛ أتخيّل مواجهة طويلة يتمسّك فيها كلٌّ منهما بهدفه: الأول يريد تنفيذ مهمته والقضاء على التهديد، والثاني يريد إشباع رغباته وفضوله تجاه البشر دون اعتبارهم فرائس أو كائنات أضعف منه، ليس لأنّه اختار السّلام فجأة، بل لأنّه بدأ يفهم أنّ القوة لا تمنحه دائمًا الإجابة الصحيحة.
خلال المواجهة، ستبدأ المفاوضات قبل تضحية نيتيرو بحياته، سيدور بينهما حوار مطوّل بينما يرافق الحذر الشديد نيتيرو، ولن تكون كلمات ميرويم وحدها كافية لإقناعه، بل سيطلب منه تقديم تنازلات حقيقية تُثبت جديته، فمثلًا سيشترط عليه إيقاف الاعتداءات على البشر، وإطلاق الأسرى، وعدم اعتبار البشر فرائس، مع السماح بمراقبة التزامه بالاتفاق، وفي المقابل سيطلب ميرويم الحفاظ على مملكته وسلطته على أفراد نوعه، بدل التخلّي عن عرشه أو قبول إبادتهم.
وهنا سيجد نيتيرو أنّ قتل الملك ليس بالضرورة الحل الوحيد، وأنّ هناك فرصة لاختبار اتفاق يمكن أن يحمي البشر دون الدخول في حرب قد تكون تكلفتها أكبر، لذلك سيستمع إلى ميرويم ويمنح أفكاره فرصة للاختبار دون أن يمنحه ثقة مجانية، وسيظلّ مستعدًا لمواجهته إذا أخلّ بشروط الاتفاق.
صحيح أنّ ميرويم لم يكن المسؤول المباشر عن جميع عمليات القتل، لكنّ النّظام القائم استمرّ بسماحه به، لذلك لن تكون المفاوضات وحدها كافية، بل يجب عليه تحمّل المسؤولية بصفته ملكًا والتعامل مع نتائج هذه الأفعال، فمثلًا سيساعد في إنهاء تهديد النمل، وحماية الناجين، ومنع توسّعهم على حساب البشر، كما سيكون عليه التعامل مع أفراد نوعه الذين يرفضون الاتفاق ويواصلون مهاجمة البشر، ولن يحوّله ذلك إلى بطل بريء بالطبع، لكنه سيكون بداية لإثبات أنّ التغيير الذي بدأ داخله ليس مجرد كلام.
ستكون الخطوة التالية فيما بعد اقتناع نيتيرو بصعوبة إقناع الحكومات، حيث ينبغي فيها إلى جانب التنازلات التي سيقدّمها ميرويم الاحتفاظ بمملكته والاعتراف بها، وقد يُسمح للبشر وخصوصًا الصّيادين فيما بعد بالتعامل مع أفراد نوعه وتبادل المعلومات معهم، لكن ذلك لن يحدث بسهولة؛ إذ ستظل الحكومات حذرة من وجود كائن بقوة ميرويم، وقد ترى أنّ القضاء عليه أكثر أمانًا من منحه فرصة.
لذا سيعود نيتيرو حاملًا قرارًا قد يُحاسب عليه دون ضمان نجاح المفاوضات، وإذا رفضت الحكومة الاتفاق، فقد تحاول من وراء الكواليس التخلّص من ميرويم أو إفشال الأمر، خصوصًا أنّها تعتبر وجود كائن بقوته تهديدًا، وهكذا سيتحوّل الصّراع إلى صراع سياسي أيضًا، يؤدّي فيه نيتيرو دورًا مهمًا في دعم المفاوضات ومراقبة التزام ميرويم، وسيحاول إقناع الحكومات بأنّ المنافع المحتملة تفوق الأضرار، مع توضيح أنّ الهدنة اختبار مشروط وليست اعترافًا نهائيًا بميرويم أو ضمانًا لسلام دائم.
كما أرغب في استكشاف إمكانية الاستفادة من قوته فيما يخصّ القارّة المُظلمة، فقد يكون التعاون معه مفيدًا في فهم بعض أخطارها واستكشافها إذا وافقت الأطراف المعنيّة على ذلك، لكن هذا يحتاج إلى مفاوضات أخرى، ولا يمكن استخدام قوته كضمان للنجاح؛ فالقارّة المُظلمة مليئة بأخطَار قد تتجاوز قدرات الملك نفسه، ولربّما يدرك ميرويم، إذا خاض هذه التجربة أنّ القوة التي ظنّها مطلقة قد لا تكون كذلك.
هل من حقّ ميرويم أن يبدأ حياة جديدة بينما هناك من لَم يستطيعوا تجاوز ما فعله ؟
الفرصة الثانية لا يجب أن تكون مكافأة، فالمسؤولية القادمة قد تكون أصعب عليه من الموت، لا أرى أنّ فرصة التغيير يجب أن تُمنع عنه، لكنّني كذلك لا أرى أنّ ذلك يمنحه الغفران تلقائيًا، فمن حقّ كلّ شخص أن يحتفظ بالكره والغضب عليه، ولا أريد أن يتحوّل ميرويم إلى شخص مسالم فجأة؛ فسيبقى محتفظًا بكبريائه الملكي وحدّته وحضوره الطاغي، بمزيج من الهيبة والاتزان والبرود الواثق، لكن ما سيتغيّر هو الطريقة التي يستخدم بها قوته، وأسلوبه في الحكم على الآخرين وتقرير مصيرهم.
لكن ماذا عن الضحايا ؟
هنا تأتي التسوية السياسية التي يسعى ميرويم من خلالها إلى محاسبة أفراد نوعه على الجرائم التي ارتكبوها، ولكن لن تكون معاقبتهم مسألة يقرّرها ميرويم وفق رغبته وحدها، أتصوّر أن يتضمّن الاتفاق آلية للمحاسبة تسمح بتسليم المسؤولين عن الجرائم الخطيرة إلى جهة مشتركة، أو إخضاعهم لإجراءات متّفق عليها، ومع ذلك لن تكون المحاسبة كافية لمحو ما حدث، ولن تعني أنّ الضحايا حصلوا على حقّهم كاملًا، ستظلّ الحكومات حذرة منه، وسيتم رفضه من أغلبية البشر، بينما قد يتقبّله بعضهم انطلاقًا من المصالح التي يرونها في الاتفاق، ولن يكون على الضحايا أن يسامحوه لمجرد أنه بدأ يتغيّر.
وماذا عن كوموغي ؟
ستظل كوموغي جزءًا من حياته، لا بوصفها ملكة أو شخصًا يتحمّل مسؤولية تغييره، بل كما كانت دائمًا فتاة تجد قيمتها في الغونغي، ولا تحاول إرضاءه أو التأثير فيه عمدًا، وقد يوفّر لها مكانًا آمنًا تعيش فيه مع بقائها إلى جانبه باختيارها، وستظلّ الاستثناء الحقيقي في نظر ميرويم، الشخص الذي جعله يواجه حدود أفكاره دون أن يحاول تغييره بالقوة أو بالكلمات، والشخص الذي سيُحاول دائمًا هزيمته بالغونغي.
وفي هذا المسار، أرى أنّ الحفاظ على أحداث غون أمر ضروري؛ فقد خسر كايت، وأراد الانتقام من بيتو إحدى الحرّاس الملكيين مهما كلّفه الثمن، وكان شعوره بالذنب والغضب سببًا في وصوله إلى مرحلة قاسية من التضحية بنفسه وقدراته، لا أريد تغيير هذا المسار لأنّني لا أرى أنّ إنقاذ ميرويم يتطلّب تغيير مسار غون أيضًا، لذلك ستظل أحداث مواجهته مع بيتو كما حدث في القصة الأصلية دون أن يلتقي بميرويم، وسيكون لقاؤه بكايت لاحقًا فرصة لاستعادة شيء من نفسه، كما أنّني أودّ المحافظة على قوة الأحداث وحماسها في هذا الآرك.
والنقطة المهمة أنّ ميرويم ليس من الضروري أن يفهم فجأة أنّ البشرية كلها تستحق الحياة، بل يبدأ بإدراك أنّ القوة وحدها لا تفسّر دوافع البشر، وأنّه لا يستطيع الحكم على الجميع بمعيار واحد، وأن يظهر هذا التغيير في أفعاله وقراراته، لا في الكلمات التي يقولها فقط.
في النهاية، أجد حقًا صعوبة بقاء ميرويم على قيد الحياة وأنّ موته كان الحلّ الأفضل حقيقةً؛ لأنّ المُخاطرة بحياة البشر من أجل إعطاء ميرويم فرصة ثانية كان قرارًا خطيرًا جدًا، ومن وجهة نظر القصة وتطوّر الشخصية فموته أنهى التحوّل في اللحظة التي أصبح فيها مثيرًا للاهتمام، لذلك التغيير ليس نابعًا من حبّي لميرويم وإنّما من فضولي الشخصيّ تجاهه وأفكاره وطريقة تطوره المثيرة للإعجاب، ما جعلني أتساءل عن المسار الذي سيتّخذه حقًا لو كان حيًّا سواء أكان بسيناريو مثل خاصّتي أو بسينايو آخر.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.gif)
كيف حالكم أعضاء تون ؟
أتمنّى أن تكونوا بخير جميعًا.
هذه كانت مشاركتي في مسابقة سيد تمساح "لو كان القلم بيدك ماذا ستُغيّر ؟"
أشكر بكلّ صدق كلّ مَن قام بالقراءة حتى هنا، هذا يعني لي الكثير حقيقةً
وشكر خاص لصاحبة التصميم الرائع هنودة
.gif)
سأُحب جدًا رؤية آرائكم وانتقاداتكم تجاه تغييري

بالتوفيق للجميع، وفي أمان الله جميعًا.

التعديل الأخير:

