ثلاث سنين وأنا أُقنعُ قلبي أن الغيابَ يُنسى، وأن بعضَ الحكاياتِ خُلقتْ لتنتهي، لكنّ قلبي، في كل مرة، كان يعودُ إليكِ.
ثلاثُ سنينٍ وما زلتُ أتساءل: كيف لحبٍّ كان بهذا الصدق أن يصبحَ مجردَ ذكرى؟ كيف لنا أن ندفنَ شيئًا كان يومًا وطنًا لقلوبنا؟ أنا لا أكتبُ إليكِ لأعاتبكِ، ولا لأفتحَ أبوابًا أغلقناها قهرًا، إنما أكتبُ لأنني لا أريدُ أن يذهبَ ما كان بيننا سُدًى.
أحببتكِ يومًا بكل ما أملك، ولم يكن حبّي نزوةً عابرة، ولا فصلًا صغيرًا في حياتي ثم طواه الزمن. وحتى الآن حين يمرُّ اسمكِ في داخلي، أشعرُ أن شيئًا مني ما زال واقفًا عند آخر لحظةٍ جمعتنا.
أنا ما زلتُ أنتظر لكن ليس انتظارَ من أضاعَ حياته على بابٍ مغلق، بل انتظارَ من تركَ نافذةً مفتوحة لشيءٍ يؤمنُ أنه يستحقُّ فرصةً أخيرة. فإن كان في قلبكِ بقايا من ذلك الحب، وإن كنتِ، ولو مرةً واحدة، قد سألتِ نفسكِ "ماذا لو عدنا؟" فربما تكونُ الإجابةُ هذه المرة مختلفة.
نعم، أخطأنا. وكان فينا من العنادِ ما أضاعَ أشياءَ جميلة، وكان ينقصنا من النضج ما يكفي لنجعلَ حبًّا عظيمًا يتعثّرُ في تفاصيلَ صغيرة. لكننا لسنا أولئك اللذين كناهما قبل ثلاث سنين. كبرنا، وتعلّمنا من وجعنا، وعرفنا أن الحب وحده لا يكفي، وأن الحياة بين اثنين تحتاجُ إلى عقلٍ يسمع، وقلبٍ يتنازل، وصبرٍ لا يهربُ عند أول اختلاف.
ولو كتب الله لنا أن نعود، فلن تكون عودتنا اندفاعًا خلفَ الحنين، ولا محاولةً لاستعادةِ ما مضى كما كان. سنعودُ بوعيٍ أكبر، وبقلوبٍ أكثر هدوءًا، وبنيةٍ تعرفُ ما تريد. وسنصبرُ على بعضنا أكثر، قبل أن نُقدمَ على أي خطوة، فلا نستعجلُ القربَ لمجردِ أن الشوقَ عاد، ولا نبني مستقبلًا على عاطفةٍ عابرة.
سنتأنّى، وننظرُ في أخطائنا بصدق، ونعرفُ إن كنا قد أصبحنا قادرين على أن نحملَ مسؤوليةَ هذا الحب، لا أن نحملهُ فقط في قلوبنا. وسيكون للدينِ في طريقنا مقامٌ لا يُساوَم عليه؛ فإن عاد الحب، عاد هذه المرة تحتَ نورٍ لا في ظلالٍ خفية، وبخطىً تعرفُ حدودَ الله فلا تتجاوزها، وبنيةٍ تحفظُ القلبَ من أن يتحولَ الحبُّ فيه إلى ذريعةٍ لما لا يرضيه. لن نتركَ مشاعرنا تقودُنا حيث تشاء، بل سنقودُها نحن إلى الطريقِ الذي يرضي الله. فما أجملَ أن يحبَّ المرءُ بقلبه، ثم يصونَ ما أحبَّ بتقواه، وأن تكونَ عاطفتنا دافعًا إلى الحلال، لا عذرًا للتفلّت من حدوده.
وإن كان لنا في بعضنا خير، فسنتركُ للأيام أن تكشفه، وللصبر أن يختبره، وللنية الصادقة أن تمنحهُ طريقًا واضحًا. لن نحاولَ أن نعيدَ الماضي، بل سنبني مستقبلًا لم نكن نعرف كيف نبنيه آنذاك.
وربما، ربما كان حبُّنا يستحقُّ أكثر من أن ينتهي عند الفراق. كان يستحقُّ صباحاتٍ عاديةً تجمعنا، وبيتًا صغيرًا دافئًا، وضحكاتٍ تأتي من الغرف المجاورة، وفنجانَي قهوةٍ على طاولةٍ واحدة، وطفلًا ينادينا يومًا: أبي… وأمي.
كان يستحقُّ أن نكبرَ معًا، أن نتعبَ معًا، أن نختلفَ ثم نتصالح، أن نصنعَ من أخطائنا القديمة حكمةً نحمي بها أيامنا القادمة.
ربما لم يكن حلمنا أن نبقى عاشقين فقط، بل أن نصبحَ يومًا عائلةً صغيرة، هادئة، دافئة، نملأ بيتها بالمودة، ونربي أبناءنا على الرحمةِ والطمأنينة، وننظرُ ذات مساءٍ إلى ما بنيناه فنبتسمُ لأننا لم نسمحْ لقصةٍ جميلة أن تموتَ بسبب أخطاءٍ ارتكبناها ونحن أصغر.
لذلك… إن كان في قلبكِ شيءٌ يشبه ما بقي في قلبي، وإن كنتِ، ولو مرةً واحدة، قد فكرتِ في أن تمنحي قصتنا فرصةً أخرى، فلا تدعي الخوفَ يجيبُ عنكِ. لكن لا تعودي لمجردِ الحنين، ولا أعودُ أنا لمجردِ الاشتياق.
إن عدنا، فلنعدْ ببطء… بصبرٍ يكفي لأن نعرفَ بعضنا من جديد، وبصدقٍ يكفي لأن نعترفَ بأخطائنا، وبإيمانٍ يكفي لأن نجعلَ ما بيننا طريقًا إلى السكينة، لا بابًا إلى الندم.
عودي إن كنتِ تريدين، لا إلى الماضي… بل إليّ، لنبدأ من جديد، هذه المرة بقلوبٍ تعرفُ أكثر، وعقولٍ تفهمُ أكثر، ونياتٍ أصفى، وطريقٍ نعرفُ أين ينتهي. أنا ما زلتُ هنا، ما زلت هنا لفترة قصيرة… لكنني لن أبقى إلى الأبد. فالقلوبُ، مهما أحبّت، تتعبُ من الانتظار، والأبوابُ التي تبقى مفتوحةً طويلًا لا بد أن يأتي يومٌ تُغلق فيه بهدوء. وحينها، لن يكون بيننا كرهٌ ولا ندم، فقط سأقول لنفسي:
لقد أحببتها بصدق، وانتظرتها بما يكفي، وأعطيتُ حبّنا فرصةً أخيرة، لكنها أَبَت.
للحذف قريبا.
ثلاثُ سنينٍ وما زلتُ أتساءل: كيف لحبٍّ كان بهذا الصدق أن يصبحَ مجردَ ذكرى؟ كيف لنا أن ندفنَ شيئًا كان يومًا وطنًا لقلوبنا؟ أنا لا أكتبُ إليكِ لأعاتبكِ، ولا لأفتحَ أبوابًا أغلقناها قهرًا، إنما أكتبُ لأنني لا أريدُ أن يذهبَ ما كان بيننا سُدًى.
أحببتكِ يومًا بكل ما أملك، ولم يكن حبّي نزوةً عابرة، ولا فصلًا صغيرًا في حياتي ثم طواه الزمن. وحتى الآن حين يمرُّ اسمكِ في داخلي، أشعرُ أن شيئًا مني ما زال واقفًا عند آخر لحظةٍ جمعتنا.
أنا ما زلتُ أنتظر لكن ليس انتظارَ من أضاعَ حياته على بابٍ مغلق، بل انتظارَ من تركَ نافذةً مفتوحة لشيءٍ يؤمنُ أنه يستحقُّ فرصةً أخيرة. فإن كان في قلبكِ بقايا من ذلك الحب، وإن كنتِ، ولو مرةً واحدة، قد سألتِ نفسكِ "ماذا لو عدنا؟" فربما تكونُ الإجابةُ هذه المرة مختلفة.
نعم، أخطأنا. وكان فينا من العنادِ ما أضاعَ أشياءَ جميلة، وكان ينقصنا من النضج ما يكفي لنجعلَ حبًّا عظيمًا يتعثّرُ في تفاصيلَ صغيرة. لكننا لسنا أولئك اللذين كناهما قبل ثلاث سنين. كبرنا، وتعلّمنا من وجعنا، وعرفنا أن الحب وحده لا يكفي، وأن الحياة بين اثنين تحتاجُ إلى عقلٍ يسمع، وقلبٍ يتنازل، وصبرٍ لا يهربُ عند أول اختلاف.
ولو كتب الله لنا أن نعود، فلن تكون عودتنا اندفاعًا خلفَ الحنين، ولا محاولةً لاستعادةِ ما مضى كما كان. سنعودُ بوعيٍ أكبر، وبقلوبٍ أكثر هدوءًا، وبنيةٍ تعرفُ ما تريد. وسنصبرُ على بعضنا أكثر، قبل أن نُقدمَ على أي خطوة، فلا نستعجلُ القربَ لمجردِ أن الشوقَ عاد، ولا نبني مستقبلًا على عاطفةٍ عابرة.
سنتأنّى، وننظرُ في أخطائنا بصدق، ونعرفُ إن كنا قد أصبحنا قادرين على أن نحملَ مسؤوليةَ هذا الحب، لا أن نحملهُ فقط في قلوبنا. وسيكون للدينِ في طريقنا مقامٌ لا يُساوَم عليه؛ فإن عاد الحب، عاد هذه المرة تحتَ نورٍ لا في ظلالٍ خفية، وبخطىً تعرفُ حدودَ الله فلا تتجاوزها، وبنيةٍ تحفظُ القلبَ من أن يتحولَ الحبُّ فيه إلى ذريعةٍ لما لا يرضيه. لن نتركَ مشاعرنا تقودُنا حيث تشاء، بل سنقودُها نحن إلى الطريقِ الذي يرضي الله. فما أجملَ أن يحبَّ المرءُ بقلبه، ثم يصونَ ما أحبَّ بتقواه، وأن تكونَ عاطفتنا دافعًا إلى الحلال، لا عذرًا للتفلّت من حدوده.
وإن كان لنا في بعضنا خير، فسنتركُ للأيام أن تكشفه، وللصبر أن يختبره، وللنية الصادقة أن تمنحهُ طريقًا واضحًا. لن نحاولَ أن نعيدَ الماضي، بل سنبني مستقبلًا لم نكن نعرف كيف نبنيه آنذاك.
وربما، ربما كان حبُّنا يستحقُّ أكثر من أن ينتهي عند الفراق. كان يستحقُّ صباحاتٍ عاديةً تجمعنا، وبيتًا صغيرًا دافئًا، وضحكاتٍ تأتي من الغرف المجاورة، وفنجانَي قهوةٍ على طاولةٍ واحدة، وطفلًا ينادينا يومًا: أبي… وأمي.
كان يستحقُّ أن نكبرَ معًا، أن نتعبَ معًا، أن نختلفَ ثم نتصالح، أن نصنعَ من أخطائنا القديمة حكمةً نحمي بها أيامنا القادمة.
ربما لم يكن حلمنا أن نبقى عاشقين فقط، بل أن نصبحَ يومًا عائلةً صغيرة، هادئة، دافئة، نملأ بيتها بالمودة، ونربي أبناءنا على الرحمةِ والطمأنينة، وننظرُ ذات مساءٍ إلى ما بنيناه فنبتسمُ لأننا لم نسمحْ لقصةٍ جميلة أن تموتَ بسبب أخطاءٍ ارتكبناها ونحن أصغر.
لذلك… إن كان في قلبكِ شيءٌ يشبه ما بقي في قلبي، وإن كنتِ، ولو مرةً واحدة، قد فكرتِ في أن تمنحي قصتنا فرصةً أخرى، فلا تدعي الخوفَ يجيبُ عنكِ. لكن لا تعودي لمجردِ الحنين، ولا أعودُ أنا لمجردِ الاشتياق.
إن عدنا، فلنعدْ ببطء… بصبرٍ يكفي لأن نعرفَ بعضنا من جديد، وبصدقٍ يكفي لأن نعترفَ بأخطائنا، وبإيمانٍ يكفي لأن نجعلَ ما بيننا طريقًا إلى السكينة، لا بابًا إلى الندم.
عودي إن كنتِ تريدين، لا إلى الماضي… بل إليّ، لنبدأ من جديد، هذه المرة بقلوبٍ تعرفُ أكثر، وعقولٍ تفهمُ أكثر، ونياتٍ أصفى، وطريقٍ نعرفُ أين ينتهي. أنا ما زلتُ هنا، ما زلت هنا لفترة قصيرة… لكنني لن أبقى إلى الأبد. فالقلوبُ، مهما أحبّت، تتعبُ من الانتظار، والأبوابُ التي تبقى مفتوحةً طويلًا لا بد أن يأتي يومٌ تُغلق فيه بهدوء. وحينها، لن يكون بيننا كرهٌ ولا ندم، فقط سأقول لنفسي:
لقد أحببتها بصدق، وانتظرتها بما يكفي، وأعطيتُ حبّنا فرصةً أخيرة، لكنها أَبَت.
للحذف قريبا.