هذا الموضوع من المواضيع التي لا تُقرأ بعينٍ عابرة لأن الحديث عن العائلة ليس حديثا عن علاقة اجتماعية بسيطة بل عن الجذر الأول الذي يتشكل منه الإنسان فالعائلة ليست مجرد أشخاص يحملون أسماء قريبة منا، بل هي أول معنى نعرفه عن الأمان
وأول صورة نأخذها عن الحب، وأول مرآة نرى فيها أنفسنا لذلك حين يكون الجرح من العائلة لا يكون الجرح في موقفٍ محدد فقط بل في أصل التصور في معنى البيت، ومعنى القرب، ومعنى السند
المؤلم في العائلة السامة أن أذاها لا يأتي من الخارج بل من المكان الذي كان يُفترض أن يحميك فالغريب إذا آذاك تستطيع أن تضع بينك وبينه مسافة بلا أي تفكير لكن القريب حين يؤذيك يربكك لأن جزء منك يخبرك أن هذا قريب وجزء آخر يقول لكنه يؤلمني
هنا تنشأ المأساة، لا من الأذى وحده بل من التناقض بين الصلة والحقيقة فليس كل من حمل اسم الأب صار أبا بمعناه الكامل ولا كل من حملت اسم الأم صارت أما بمعنى الرحمة والاحتواء ولا كل أخٍ أخٌ بالفعل ولا كل قريبٍ قريبٌ بالروح
وهذا لا يعني أن نهدم معنى العائلة ولا أن نعمم القسوة على كل البيوت فالبيوت الطيبة نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها لكن الإنصاف كل الإنصاف أن نقول ليست كل عائلة مأوى، فبعض البيوت قد تكون امتحانا ثقيلا بدل أن تكون حضنا دافئا تحتوينا
والمشكلة الأخرى أن المجتمع كثيرا ما يضغط على المتأذي باسم الشعارات الكبرى (هذه أمك) (هذا أبوك) (هؤلاء أهلك) وكأن الاسم وحده يمحو ما كسروه فينا وكأن الدم وحده يكفي والحقيقة أنه لا يكفي بل القرابة بلا رحمة تتحول إلى سلطة، والسلطة بلا عدل تتحول إلى سحق وأذى
كيف يمكن للإنسان أن يرمم نفسه إذا كانت الطعنة قادمة من الداخل؟
أظن أن البداية تكون من الاعتراف لا من الإنكار أن يقول الإنسان لنفسه بصدق نعم لقد تأذيت نعم لم يكن ما حدث طبيعيا
لا يجب أن أبرر القسوة فقط لأنها جاءت من قريب والاعتراف هنا ليس عقوقا ولا تمردا بل بداية نجاة بداية علاج لأن من لم يسمِّ جرحه سيظل ينزف دون أن يعرف من أين كل هذه الدماء، هذه هي الخطوة الأولى بنظري ثم تأتي باقي الخطوات
ثم عليه أن يفرق بين قيمته وبين معاملة أهله له وهذه نقطة جوهرية جدًا في مرحلة الاستشفاء فكثير من الناس الذين أُوذوا داخل عائلاتهم يظنون في أعماقهم أنهم ناقصون أو غير محبوبين أو أنهم سبب المشكلة
وهذا في نظري المتواضع أخطر ما تفعله البيئة السامة فهي لا تكتفي بإيذائك بل تجعلك تشك في استحقاقك للرحمة واستحقاقك للحياة
والحقيقة أن سوء معاملة شخص لك لا يثبت نقصك بل يبين لك ما في ذلك الشخص من عجز أو قسوة أو مرض أو جهل لذلك لابد أن تفهم ليس كل من لم يُحبك كان محقا وليس كل من قسا عليك كان على الصواب
ثم الخطوة الأخيرة أن يتعلم الإنسان من ألمه
فالألم قد يكون معلما وقد يكون سُما
والطعنة الداخلية تعلمنا الحذر وتعلمنا ألا نفتح أبوابنا لكل أحد وترشدنا أن القرب لا يعني الأمان دائما
لكن بالمقابل لا ينبغي أن تجعلنا نكره كل قرب ولا أن ننتقم من العالم كله بسبب بيتٍ لم يرحمنا
فالنجاة ليست فقط أن تخرج من البيت السام بل أن تخرج دون أن تحمل سُمّه معك في قلبك
هل تؤيد فكرة المسافة الآمنة مع العائلة إذا كانت سامة، أم أن الصبر هو الحل الوحيد مهما كان الثمن؟
المسافة الآمنة في كثير من الحالات ضرورة والصبر لا يعني أن تسمح للآخر أن يكرر أذاه ولا يعني أن تُقدم صحتك النفسية قربانا لصورة اجتماعية مزيفة
هناك فرق بين الصبر الذي له نفع او فائدة وبين الصبر الذي يلغي ذواتنا
فالصبر المحمود هو الذي يحفظ الدين والخلق والعقل أما الصبر الذي يجعلك تُهان وتُكسر وتتآكل يوما بعد يوم ثم يُقال لك تحمّل
فهذا ليس فضيلة بل قد يكون بابا لاستمرار الظلم والأذى والتعدي وعدم تعلم الطرف الآخر الدرس
وأيضا المسافة الآمنة لا تعني بالضرورة القطيعة ولا تعني الكراهية ولا تعني إسقاط الحقوق الشرعية بل تعني أن تعيد ترتيب العلاقة بحيث لا تكون مفتوحا على مصراعيها
قد تكون المسافة في تقليل الاحتكاك أو ضبط الكلام أو ترك الجدال أو عدم مشاركة أسرارك أو وضع حدود واضحة أو التعامل بالواجب دون التوسع
فأحيانا يكون السلام في أن تحب من بعيد أو تبرّ بقدر الاستطاعة لكن دون أن تضع رقبتك تحت السكين كل مرة
وأظن أن من أعظم الأخطاء أن نخلط بين الرحمة والاستباحة
يعني أرحم قريبي لا يعني أن أسمح له بتحطيمي
أن أبرّ والديّ لا يعني أن أوافق على كل ظلم
أن أحفظ صلة الرحم لا يعني أن أفتح بابي لمن لا يدخل إلا ليؤذي
الشريعة نفسها جاءت بالعدل والرحمة معا ولم تأمر الإنسان أن يسلّم نفسه للضرر باسم الفضيلة فحتى الإحسان له حكمة والستر له حدود والحلم أيضا لا يعني أن يكون الإنسان بلا كرامة
ومن زاوية أعمق الإنسان الذي يُخذل من الداخل يحتاج أن يصنع لنفسه عائلة ثانية إن صح التعبير
ليست بديلا عن الأصل لكنها شبكة أمان جديدة
صديق صادق، أستاذ ناصح، زوج رحيم، صحبة صالحة، مشروع يشبهه
علاقة بالله ترده إلى مركزه كلما بعثره الناس
لأن الإنسان لا يعيش بالدم فقط بل يعيش بمن يرحمه يفهمه يصونه
وكم من غريب صار أقرب من قريب وكم من قريب لم يترك في القلب إلا أثر الغربة
والأهم من كل ذلك ألا يسمح الإنسان لجرح العائلة أن يتحول إلى هويته النهائية أو إلى الاسم الذي يقرأ به نفسه ويقرأه غيره به والحياة
اتفق قد تكون البداية قاسية وقد يكون البيت مكانا تعلم فيه الخوف بدل الأمان والخذلان بدل السند لكن ما حدث للإنسان لا ينبغي أن يصبح هو الإنسان نفسه
فالمرء ليس أسيرا أبديا لما فُعل به ولا نسخة محكومة بآثار من آذوه -بل يستطيع- وإن كان الطريق طويلا أن يعيد بناء داخله لبنة لبنة
بوعيٍ يفسر الألم دون أن يستسلم له، وبإيمان يرده إلى الله حين تضيق به الأسباب وبحدودٍ تحمي قلبه من تكرار النزيف وباختياراتٍ جديدة تمنحه فرصة أن يعيش لا أن يظل ينجو فقط
صحيح قد لا يستطيع أن يمحو الماضي فهذا ليس بيده دائما لكنه يستطيع أن ينزع منه السلطة
يستطيع أن يقول له ستبقى جزءا من قصتي لكنك لن تكون كاتبها الوحيد ولن أسمح لك أن تقرر شكلي النهائي ولا نهايتي
في النهاية العائلة نعمة عظيمة حين تكون رحمة وسندا وابتلاء عظيم حين تتحول إلى مصدر أذى وليس كل من طالب بالمسافة كان عاقا وليس كل من صبر كان حكيما
الميزان الحقيقي هو هل هذه العلاقة تُصلحني أم تسحقني؟
هل تقربني من السكينة أم تجعلني أعيش في خوف لا نهائي؟
هل أستطيع أداء ما عليّ دون أن أفقد نفسي؟
لذلك أؤيد المسافة الآمنة حين تكون العائلة سامة لكن أؤيدها بعقل لا باندفاع وبأدب لا بانتقام وبحدود لا بقطيعة عمياء
فالغاية ليست أن نكره أهلنا بل أن ننجو من الأذى وأن نمنع القسوة من أن تصنع منا قساة مثلها
موضوع مؤلم وعميق ويستحق فعلا هذا القدر من التوقف والتأمل لأنه لا يتحدث عن خلافات عابرة داخل البيوت بل يفتح بابا مسكوتا عنه كثيرًا
فبعض الناس لا يطلبون من العائلة مثالية ولا احتواء عميقا ولا دفئا زائدا بل يطلبون الحد الأدنى من الأمان
بيتا لا يكون مصدر خوف وقربا لا يتحول إلى أذى وأسماءً عائلية لا تستعمل كسلاح ضدهم
الخلاصة البعض فقط يريد أن يكون البيت مكانا يلتقط فيه أنفاسه لا مكانا يحتاجون إلى التعافي منه
لك احترامي ومحبتي أخي
ألفبائي