دوّامة الجحيم. (6 زائر)


S a n d r a

Where ?
إنضم
28 يونيو 2020
رقم العضوية
11248
المشاركات
7,433
مستوى التفاعل
36,706
النقاط
1,642
أوسمتــي
17
العمر
19
الإقامة
الأردن
توناتي
4,254
الجنس
أنثى
LV
4
 

اسم القصة | دوّامةُ الجحيم.
التصنيف | نفسيّة
الكاتب | S a n d r a

-
استمرّت التحديقات مطولًا ..

حتى همسَ الطبيب في يأسٍ تام : لا أعلمُ لماذا وافقتُ على أخذك.

ضرب ركبتيهِ بخفة ثم وقف ليمشي مبتعدًا معطيًا ظهرهُ لديدييه .. Didier

غائر العينينِ يحدّق في الفراغِ الذي تركه الطبيبُ خلفه.

ومجددًا .. انسالتْ دموعُ الفراغِ على وجنتيه

كأنه آخرُ طلٍّ يصيبُ الأرض قبلَ وداعِ الشتاء.

حالةٌ نفسيّة فُقدَ الأملُ في حلّها.

تكتّف الطبيبُ في الخارجِ و هو ينظرُ له بتعابيرَ ممتعضةٍ

التفتَ يغضُّ الطرفَ عنه متألمًا لعدم استطاعتهِ تغييرَ أيّ شيءٍ فيه.

- دولون , هل ستتركُه؟

- لمَن؟

ردَّ بحدّة و قبضتهُ اشتدت عند سماعهِ لكلماتِ الممرضِ المساعِد.

هزَّ الآخر كتفيهِ معتادًا على ردودهِ الحادة هذه : لأيٍّ كان .. إذا لم تستطِع حضرتُك حلَّ عُقدةِ هذا الرجل فمن سيستطيع.

قلّب دولون عينيه و خطى بثقلٍ متوجهًا نحو مكتبه.

- قل هذه الكلماتَ لدولون قبل عشر سنواتْ .. لا لي.

عقد الممرض حاجبيه : تلكَ الفضيحةُ لا تعني شيئًا في عالمِ الطبِّ النفسيّ فكثيرٌ من المرضى قد يصابونَ بتلك الحالة و ينهو-

يدٌ قويّة غطّت فمه بشدةٍ أوقفته عن بصقِ ما تبقى من الجملة

و همسةٌ قاسيةٌ تسللت لأذنيه : لا تكرر هذه السيرة, أبدًا .. مجددًا.

يعلمُ الممرض مقدار كره الطبيبِ دولون لتلك الحادثةِ التي مرَّ بها مع أحدِ المرضى.

نتاليا , امراةٌ خسرت ولديها في حريق .. ففقدت عقلها جرّاء ما مرّت به.

وجدوها عالقةً تحت الانقاض , و ولداها يحترقان معذبين بالنيرانِ المشتعلة.
نتاليا شهدت ذوبانهما كشموع رقيقة ، استغاثاتهما و بكاءهما، سمعت آخر أنفاسهما .. و لم تستطع فعل شيء.

صيتُ دولون قد ذاع تلك الفترةِ حينما استطاعَ علاج حالةٍ يئس منها خمسةُ أطبّاء شهرتهم أوسعُ من مجردِ مدينةٍ أو عاصمة.

فتمَّ تحويلَ هذه المريضةُ له.. استمرَّتْ فترةُ العلاجِ لسنتينِ و نصف .. ثم انتهتْ بانتحار.

فجّر هذا الخبرُ الإعلامْ , خصيصًا أن قصّة تلك المرأة قد أشعلت الرأي العام بسببِ تأخر وصول الاطفائيين لتعكر حركةِ المرور إثر حدثٍ ضخمٍ لمهرجان غنائيٍ كبيرٍ أغلق الساحات و الشوارع الرئيسية لمدّة لا تقل عن خمس ساعات.

و كانتْ أخبارها تظهرُ كل فترةٍ في الصفحاتِ الأولى من مجلّاتٍ تتعلقُ بمثلِ هذه الحوادث.

انهارتْ سمعةُ دولون و تهشمّت صورته تاركةً وراءها شظايا يأسٍ شديد.

مرَّ على ذلك خمسُ سنوات, و اليوم هو يعانِي مع حالةٍ شديدةٍ غير عاديّةٍ مجددًا.

تم تحويلهُ إليه من مصحّةٍ عقليَّة معروفة سرًّا. فحالتهُ هذه قد تمَّ التسترُ عليها بسبب هويته.

ديدييه لي سوليتير. ابنُ سياسيٍّ معروف , و عارضُ أزياءٍ في مجلّة لومبر الشهيرةُ بالازياءِ ذاتِ الطابعِ الرجوليّ الكلاسيكيّ.

لمْ يُعرف عنهُ شيءٌ سوى هذا. لكنْ فجاةً .. خبرٌ عنيفٌ لكونِ إيلون لي سوليتير مات مقتولًا في منزله قد أشعل الجرائدَ المحليّة.

و القاتِل .. غير معروفٍ للإعلام. فقد تمَّ التستُر عليه , و ها هو يقبعُ في الغرفةِ 101 في مصحّة دولون تير.

- ديدييه.

همس دولون باسمه حانقًا.

فقد تمَّ رمي مسؤوليته عليهِ من قبل والدهِ مديرِ مصحّة آليجان , ذاتُ المصحّة التي كان فيها ديدييه قبل قدومه إلى هنا.

"حُلَّ مشكلتهُ و عدْ للساحة , إن استمريتَ بالتخفي بحجةِ عدمِ القُدرةِ على مواجهةِ موقفٍ كذاكَ مجددًا فأنت تعلن خسارتكَ ضدَّ رايليان دي فيل."

ضربَ دولون المكتب بقبضته يرمي بجسده على الكرسيّ الجلديّ الثابت بجانبه.

- رايليان دي فيل .. رايليان .. دي فيل!! كلُّ ما يشغل عقلك هو عائلة دي فيل السحيقة تلك !!

مسّد ما بين عينيه يأخذ نفسًا.

والده ليس مهتمًا لا بأنَّ حياة الشاب تعتمدُ عليه , أو أن التعاملِ مع حالةٍ لا يمكنُ فكِّ عقدها بسهولة قد يكونُ خطيرًا على كلا الطرفين.

بل فقط بعائلة دي فيل الكبيرة, عائلة أصّلت لها جذورًا في عالمِ الطب النفسانيّ , و خرجت باحثين كبار.

أما عائلته تير , فليستْ بذلكَ الانتشار في الساحة الطبية مقارنةً بالصناعيّة.. لكن والده مهووسٌ بفردِ أجنحتهِ امام مرأى الناس

ليثبت أن دي فيل ليستِ الوحيدة التي تستطيعُ خلقَ اسمٍ كبير في عالم معقد.

أغمضَ عينيهِ ليرتاحَ قليلًا , لعلهُ بذلك يفوقُ من كابوسِ ديدييه هذا.

-

إضاءةٌ حمراء شاسعةٌ بلا مصدرٍ واضح أعمت عينيه

و الظلال التي تتكون بسببِ الأبوابِ المعلقة في الفراغِ هبطتْ على الأرضِ في مشهدٍ مخيف.

غربانٌ تزعق هنا هناك, ترتاح كل هنيهةٍ على طرفِ بابٍ من الأبواب ، و توترٌ بدأ يتخثرُ في أعماقه.

جاحظَ العينينِ ينظر لما خلف الأبوابِ المفتوحة.

لم يستطع تمالك أعصابهِ أكثر فصاحَ حتى شعر بأن أوصاله تتقطع

جثا على ركبتيه و بدأ يضربُ بيديهِ الأرض بجنون : لماذا يا ديدييه !! لماذا لماذا !!

بدأت الدموع تنهمر من على وجنتيهِ سخطًا

- مرَّ أسبوعان على آخر مرّة فلماذا ؟ لماذا فعلت ذلك !!

انتحرَ ديدييه مجددًا. هذه المرة الخامسة عشرة منذ بدايةِ علاجه على يد دولون.

لا يعلم دولون كيف يخرجُ من الدوّامةِ التي دخلَها بعد ليلةٍ جهنميّة.

لم يستطعْ تحمل فكرةِ موتِ مريضٍ آخر و هو بين يديه..

انتحر ديدييه للمرةِ الاولى بعد أربعةِ أشهر قضاها في مصحة دولون تير.

انتحرَ قاطعًا شريانه بشكلٍ طوليّ على الساعد.

من دون مراقبة استغلّ وقتًا قد يغفل عنه الممرض لأجل أن يحقق هدفه.

في ذات الليلة ، أنهى دولون تير حياته مطلقًا رصاصة من أسفل فكّه .. لعلّه بذلك يهرب من تبعات الحادثة المرعبة التي مرَّ بها مجددًا.

لكنه ماتَ و العار ينهش قلبه و روحه.

فمشهدُ بركة الدماء التي توسطها ديدييه قد أفقده صوابه تمامًا.

لم يفهم دولون سببَ هذه الدوّامة التي دخلها , و لماذا تتكررُ في كلِّ مرة ينتحرُ فيها ديدييه!

على الرغم من محاولاته العديدة التي سعى فيها لإيقافه بشتى الطرق التي وصلتْ لتقييده قبل حتى أن يفكّر بالأمر.. انتهتْ باختناقه بلسانه المنتفخ بعد عضة قوية أفقدته بالتوازي كميّة كبيرةً من الدماء.. أدّت لموت مجنونٍ آخر.

و هذه المرة لا يعلم حتّى كيف مات , و ها هو الآن يفتح عينيه على هذا المشهدِ الحقير مجددًا.

أصبحوا خمس عشرة بابًا معلقين في الفراغ المظلم و فقطْ تلكَ الإضاءة الحمراءُ المزعجة هي ما تنير المكان.

و ما يقبع خلف تلك الأبواب هو مشهدُ صورةٍ محتبسةٍ لديدييه الميّت.

ركَض دولون للبابِ الخامس عشر و ما خلفه كان ظلامًا دامسًا و رائحة احتراق.

لم يكنْ هنالك شيءٌ في الغرفة قد يؤدي لحريق ! فكيفَ هذا ؟!

شتم تحت أنفاسه و أغمض عينيهِ لحظة مرور الإضاءة الحمراء مجددًا.

"دولون تير؟"

أتى صوتُ رجلٍ غيرِ مألوفٍ البتّة بالنسبة لدولون من جهة الباب.

ارتعب و انقبضت أطرافه.. لم يستطع فتحَ عينيه , فقدْ شعرَ بلمسةٍ على طرف خدّه كادتْ تصيبهُ بالهلع لولا أن...

-

فتح دولون عينيهِ أسفل إضاءة قويّة في غرفةٍ مفتوحة على ساحة خارجيةٍ مليئةٍ بالنباتات.

و أمامه .. ديدييه.

رمقهُ دولون بغضبٍ شديد , و كاد يمدُّ كلتا يديهِ نحوه لعله يتخلص مما يشكّل له الألم العميق، العار و الشؤم

لكن ما موته إلا عودةٌ جديدة.

تنهدَ بثقلٌ و هو ينزلق على الكرسيّ يغطّي وجهه بكفيه.

أنفاسُ ديدييه الهادئةُ فقط هي الشيء الوحيدُ الذي يقتحم أذنيه.

ما الذي عليهِ فعلهُ أكثر ؟! كيف سيستطيع علاجَ صدمةِ ابنٍ قتَل والدهُ بالخطأ ؟!!

حادثةٌ قد يقالُ عنها مبتذلة و لكنها قتلتْ روح ديدييه تمامًا .. في مكتبِ والده , شجارٌ نشبَ بينهما لكونِ ديدييه لا يرغبُ في دخول عالم السياسة التي استمرّ والده بحثه على التعمق فيها و ترك وظيفته الحالية.

ديدييه كره السياسة من أعماق قلبه , فهي التي سرقت روح والده منه , و خسّرتهما علاقتهما التي كانت فيما مضى وثيقةً ربما.

كما خسّرت عائلته دفئها و روحها بسبب الجمود الذي اكتسبه والده أكثر بعدما سطع اسمه في عالم السياسة الحديثة.

والد ديدييه ثقيل الهيئة .. تقدّم بحنق نحو ديدييه ليصفعه فدفعه ديدييه بلا وعي في محاولة لحماية نفسه.. دفعته هذه أفقدت والده توازنه

فارتطم بمكتبةٍ قريبةٍ أسقطتْ تمثالًا رخاميًا لرأس شارل ديغول على رأسه.

فوقع على الأرض .. بلا أي حراك .. أما دماؤه فقد لطخت الأرض مشكلةً بقعةً لا يمكن محوها من ذاكرة ديدييه الذي توقف الزمن عنده في تلك اللحظة.

أنزل دولون يديه و رفع ناظريه التي انطفأت منها نيرانُ الغضب لحظة التقاء عينيّ ديدييه به ..دولون معتاد على نظراتِ ديدييه .. التي غالبًا ما تكون فارغة بلا خفّة أو دامعةً حانية.

أما هذه النظرة التي تخز عينيه الآن ليست بنظرةٍ معتادة ... إنها هادئة , أكثر من اللازم .. بشكلٍ أرعبَ دولون الذي تخشب جسده و تمسكت يداه بذراعيّ الكرسيّ بحذر.

فقد شعرَ بأنه هو الذي سيكون ضحية و ليس العكس كما سبق.

- هل هنالك ما تريدُ قوله , ديدييه؟

سأل بلطف و هو يرفعُ ظهره مستقيمًا على الكرسيّ.

ديدييه لا يتحدث أصلًا في العادة , لذا هذا سؤال قد يعد سخيفًا إن سمعه شخص آخر

لكنه بحكم خبرته , كان ينتظر ...

اتسعتْ عيناهُ بقوةٍ لحظة رؤيته لزاوية فم ديدييه ترتفعُ بخفة.

و غضبٌ بدأ يعتلي وجهه.

إشارة. هذا ما كان ينتظرهُ دولون , فأي تغيير مفاجئ تتبعه إشارة .. و تفسيرُ هذه الإشارة التي يبعثها ديدييه غير مفهوم.

-

- إنه يتحداني..

همس دولون و الرجفة لا تدعه يكمل كما يجب..

ألهذه الدرجة أنت يائس لتموت ؟! متْ .. فقط متْ و أرحني !

ركض دولون بعجالة و خطواته متعثرة على سطح المصحّة متجهًا نحو ديدييه الواقف وقفةً استعراضية على الحافة كأنه يرى المستقبل الذي هو ذاهب إليه.

فتح ذراعيه ليسمح لهما باعتراض نسيم الليل البارد.

- أبي ...

همسَ بخفوت كأنه يتلفظُ بنغمة جميلة.

أما من صُدم بذلك فلم يكن سوى دولون الواقف خلفه ممددًا ذراعيه نحوه بحذر و كأنه يوشك على التقاط طفل صغير.

صوته مألوف , سمعه بالتأكيد من قبل , على الرغم من أنّها المرة الأولى التي يقول فيها شيئًا في حضوره.

كأنه لم يعد مهتما لما حوله.

- أترجاك... أترجاك! لماذا لا تجرب النسيان ! انسَ ! انسَ كل ما حدَث و كأنه لم يكن ! ابسط ذراعيك هكذا تمامًا للحياة لا الموت يا ديدييه! الموتُ قد يبدو في ظاهرهِ جنًّةٌ لكَ لكنهُ جحيم لغيرك ! جحيم !! اصحُ من كابوسك! استيقظ!!

صاح دولون و هو يقتربُ بخطواتٍ بطيئة حذرةٍ كأنه يمشي على طبقةِ زجاج رقيقة.

انهار تماسك دولون الذي كان هشًّا منذ البداية.

لقد تعب... في كلِّ عودة يعيشُ ذاتَ الشهرِ مجددًا يحاول التنبؤ فيه بتصرفاتِ ديدييه قدر المستطاع , لكن هيهاتَ فهذا الرجل لا تُعرف له أي خطوة قادمة.

يتكررُ الانتحار و تختلف الطريقة , فيختبر دولون أسوأ أنواعِ التعنيف التي جربّها في حياته..

هذا لا يقارنُ ابدًا بنتائجِ موت نتاليا التي حطمته. ولا موت والدته الذي شخط قلبه مسبقًا.

لماذا هو ما يزال يحاول إذًا ؟ أليسَ هو الأحقَّ بذلك المكان بدلًا عنه ؟

ديدييه يبدو و كأنه يفعلُ هذا متعمدًا .. أم لا ؟

- دولون تير , أنت ضعيف.

كلماتٌ ثابتةٌ في خضم لحظةٍ راجفة. نبرتهُ حادة .. قاسية.

رفعَ دولون رأسه ينظرُ نحو ديدييه الذي يرمقه بازدراءٍ من الاعلى, يذكره بشيءٍ يبغضه.

نظرةُ والده المستحقرةُ لانجازاته .. كأنها لا شيء , لا تكفي .. مهما حاول هو لا يصلُ إليه.

والده , لم يمدَ يده إليهِ قطْ.

عكس ديدييه الذي أنزل نفسه و أحاط ذراعيّ دولون بذراعيه .. مبتسمًا ابتسامةً أخافتْ دولون و جعلتهُ يرتعدُ في مكانه.

- رافقني .. لعلَّ جحيمك ينتهي.

"آه , أجل .. تذكرت أين سمعت صوته."

تلك ال "دولون تير؟" السحيقة.

ابتسم دولون بسخرية على هذا القدر الذي يلاحقه باستمرار ...

لم يتوقع أن ينحني له ديدييه هكذا و يحتضنه كي يأخذه معه نحو الموت !

هل هذه هي اللحظة الأخيرة أخيرًا ؟ هل سيستطيع ترك كل شيءٍ و الموتَ ميتةً لا يتذكر بعدها شيئًا ؟!

"يا إلهي ! إن كانت هذه هي اللحظة فعلًا فإنّي أشكرك من كلّ قلبي !"

حديثُ قلبه المتحمس هذا دفعه ليتمسك بجسد ديدييه الذي بدأ ينحني للخلف نحو الهاوية

فأغمضَ عينيه و شعرَ بالهواء يرتطم بوجهه بقوةٍ ثم سكون عمَّ المكان.

-

- أوه , أهذا ما قصده عندما قال أنها الجحيم ؟

اتسعتْ ابتسامةُ ديدييه الذي مشى متفقدًا المكان حولهْ , و عكس دولون لم يكنْ متأثرًا حقًا بتلك الإضاءة الحمراء القوية التي تدور حول المكان.

رفرفَ غرابٌ ببطءٍ مقتربًا حتى وقفَ على الأرضِ أمامَ ديدييه .. فحدّق به الآخر بضيق.

رفع عينيهِ بدهشةٍ بعدها نحو الأبواب الخمس عشرة المعلقة في الفراغ.

كلٌّ منها يحمل مشهدًا محتبسًا له ميتًا ميتةً فظيعة.

و أسوأها كان ميتة الاختناق بانتفاخ لسانه. شعر برغبةٍ في التقيؤ من كثرة مشاهد الدماء في هذا المكان ..

لكنها اختفتْ تمامًا حينما التفت حيث هنالك أبوابٌ خمس عشرة أخرى معلقة في الفراغ مقابل خاصته.

هذه الأبواب كانت خاصةً بميتاتِ دولون.

من الباب الأول حيثُ مشهدُ إطلاق النار على فكه .. إلى البابِ الأخير الذي يظهرُ فيهِ دولون مرتميًا على كرسيٍّ جلديٍّ فاغرَ الفاهِ عيناهُ مفتوحتانِ على مصرعيهما و يداهُ تحيطانِ برقبتهِ المشدودة..

- هنالك ظلٌّ يخنقه. ظلُّ الموت.

همس ديدييه, و هو يلتفتُ لظلٍّ أسودَ كبيرٍ يحيطُ ببابٍ مختلف عن الباقين , بابٌ يظهر فيهِ دولون و هو يسقط.

الظل , يعانقُ البابَ بقوَّة .

شخر ديدييه بامتعاض , ثم جلس على الأرض متربعًا أمام الباب.

لعلَّ فضولهُ تجاه هذا المكانِ ليس بالشيءِ الكبير.. ذلكَ لأن الهلاوس التي عانى منها فيما سبق لم تكن أفضلَ من هذه.

و بشكلٍ غريب للغاية .. عقلُ ديدييه أصفى من أيّ وقتٍ آخر , فحتى لحظة موته الأخيرةَ برفقة دولون .. لم يكونا فيها وحدهما.

فالأشكالُ و الخيالاتُ الغريبة عكّرت عليهِ صفو اللحظة التي أنقذَ فيها طبيبه

و الهمساتُ الظالمة نهشت عقله بقوَّة. أما هنا , فالمكانُ هادئ تمامًا.

ديدييه شعرَ بأنه شخصٌ آخر .. لأنه لا يشعرُ بالحزن أو الذنب .. بل , هدوء .. هدوءٌ بدأ يزعجه لأنه ليسَ واقعيًّا البتّة

و كأن روحه انشقت لنصفين.

- لم أتوقع أنك ستشعرُ بأني لستُ موجودًا.

أتى صوتٌ من خلفه , فالتفتَ ديدييه فزعًا .. ليرى نفسه واقفًا على بعد متر تقريبًا.

عيناه دامعتان , و هيئتهُ حانية. عكسه هو .. الذي وقفَ وقفةً فارهةً لم يقف مثلها منذ أشهر عدّة, أو ربم أكثر من مجرد أشهر.

- إذًا أنت الجزء المذنبُ مني ؟

- القاتل.

عقد ديدييه حاجبيه منزعجًا من كلمة الآخر .. وضع يديهِ في جيوبه بإهمال ثم عاود النظرَ إليه بحدّة.

- تبدو أضعف بالنسبة لقاتلٍ. أنت بالكادِ تحمل نفسك, ديدييه.

من الغريب أن يتلفظ باسمه في محادثة كهذه.

ابتسم بسخرية, فحواراته مع نفسه لم تكن بمثلِ هذه الواقعية مسبقًا.

- إذًا ما هذا المكان؟

- فاصلٌ يجمعُ بين وعيكَ و وعيه.

- ما الذي تقصده بذلك ؟ ألم يمت دولون تير بالفعل؟

- كلا , بل هذا بعدٌ منفصل جُمّعت فيه كل محاولاتك الفاشلة في تحقيقِ غايتك.

- إذًا لماذا دولون مربوط به؟

- لأن غايته مرتبطةٌ بغاي-

- غايته ؟ ألم تكن غايته الموت؟ ظلُّ الموتِ كان يلاحقه طوال الوقت.

- أنت لم تدعني أكمل الجملة.

نهره ديدييه المذنبُ بانزعاج ثم أكمل بروية : غايته مرتبطةٌ بغايتك، لكن بشكلٍ غير مباشر .. فغايته فعلًا كانت الموتْ عكسك أنت.

تجهّم ديدييه و شعورٌ بالضياع بدأ يتولد.

- هل كلُّ القابعين خلف الأبواب هم نحن فعلًا ، أم أنهم نسخ؟

- كلُّهم هم أنتم بذاتكم. لكن حُبسوا في مشهد .. و الحاضران الآن هما أنتما الأخيران.

قال مشيرًا للبابِ السادس عشر حيثُ دولون معلقًا في الهواء حيث توقف الزمن في تلك اللحظة.

رفع ديدييه اصبعه نحو نفسه و هو ينظرُ بعدم فهم متسائلا.

- تم نقلكَ إلى هنا حفاظًا عليك , لأنّك إن متَّ فسيموتُ دولون معك ميتةً نهائية.

- لم لا يموت ؟ إنها غايته !

- لكنها تتعارض مع غايتك , أنت تريدُ التخلص منّي .. لكنك لن تستطيع بدونه.

- هذا جنون! هل عاشَ كل هذا وحده ؟ هل مرَّ بكلِّ تلكَ التكراراتِ وحده ؟ يا إلهي من حقّه أن يفقدَ عقلهُ و يرجو الموت إذًا !

ما زالت دموع ديدييه الحزين تُذرفُ بصمتٍ و هو يراقبُ دولون. فالتفتَ ديدييه الآخر يشاركهُ ذاتَ لنظرة المذنبة تجاهه.

ابتلع ديديه ريقه بصعوبة. ضيقٌ بدأ يعتري روحه .. الذنب، أرادَ التخلصَ منهُ فعلًا , لكن لم على دولون تحمُّل هذه المسؤولية؟! لمَ تمَّ اجتراره لهذا ؟!

- ألا أستطيعُ التخلص منكَ بنفسي؟

رمش ديدييه الحزين بهدوء عيناهُ تتلألآن برقّة صُدم ديدييه من رؤيتها.

- هل ستسعدُ بذلك؟

سأل ديدييه و قلبهُ يرتجف بخفّة , تقدَّم بخطواتٍ سريعةٍ نحو ديدييه الحزين و مدَّ ذراعيه يحيطه بهما.

- هل ... كنتَ خائفًا من أنني لا أستطيع تحمُّل التخلُّص منك بنفسي لذا أدخلتَ دولون؟

- كلّا.

ارتبك ديدييه لأن هذا سخافة : إذًا ماذا؟ هل أدخلتهُ فقط بلا سببٍ وجيهٍ لأنهُ الطبيبُ الخاص بنا؟

هزَّ الآخر رأسه بقوةً دفاعًا عن نفسه : كلّا ! بل لأنه هو الوحيد , الذي نظر لك بإنسانيّة!

حنا رأسه أكثر على كتف ديدييه و متشبثًا بثيابه : على الرغم من أنَّه أرادَ علاجكَ لأن تلك كانت الطريقةَ الوحيدةَ التي تأخذهُ لموتٍ مريح. فقد أراد الاعتزال بعد علاجك.

- لكنه في النهايةِ لم يستطع ..

- أجل , ففضلَ الموتَ في أسوءِ الأحوال.

راقب ديدييه جزءه المذنب لبُرهة ثم ثبّت يديهِ على وجنتيه ينظرُ في عينيهِ بثبات : تمهّل , أوجود دولون تير هو غايتُك أنت؟

أومأ ديدييه المذنب و ازدادت وتيرةُ دموعِه.

- تعلقتُ به, لم أرده أن يموتْ.

أجهشَ قائلًا و هو يغطّي وجهه بيديه.

فالوحيدُ الذي بادله النظراتِ بقوّة , و حادثه كشخصٍ طبيعيٍّ في محاولةٍ لاستمالته لم يكُن سواه.

ثلاثةُ أشهرٍ في مصحّة آليجان كانت كالجحيم .. لم يكُن هنالك منهم من يعاملهُ كبشريّ .. بل كنموذجٍ ورقيٍّ لمرض عقليّ.

لم يحاول أحدهم جذبهُ للحديثِ عمّا يؤلمه بقدرِ تركيزهم على تطبيق برنامجٍ علاجيّ و معرفة ما إن كانت الادويةُ تعمل عليه.

تعاملوا معهُ كأنه شيفرةٌ يريدونَ حلّها .. لا كقصةٍ حيَّةٍ تتكررُ كلَّ لحظة.

بكى ديدييه بقوَّة و كأنه أخرجَ تراكماتِ أشهرٍ من العذاب الصامتْ.

فمظهرُ والده المغطى بالدماء كالسكّينِ تستمرِ بطعنِ قلبهِ بلا هوادة.

و الذنبُ الذي شكّل كيانًا منفصلًا في ديدييه حمّل فيه كلَّ الذكريات التي صنَّفها ديدييه على أنَّها ذكرياتٌ ثمينة لا يستحقّ قاتلٌ مثله استرجاعها.

فباتَ الذنبُ في سباتٍ تشكّل له في هلاوسَ مرعبة ..

فآثر الصمتَ على التعبير عنها.

أما عواطفُ ديدييه فقد اختزلها في شخصيةٍ أخرى , لم تُفتها أي لحظةِ ألم .. بل كلُّها قد تسربت إليها بدلًا من أن يشعرَ ديدييه بها، فتفاقمتْ.

و في النهاية انفصل ديدييه المذنبُ عن ديدييه. ليشكّل كيانًا يشعرُ بكلِّ الأحساسيس بقوَّة و يسترجعُ الذكرياتِ كمشهدٍ حيّ.

بكى ديدييه .. يشاركُ جزءه المذنبَ الألم الذي و أخيرًا لأولِ مرّة استطاعَ الشعورَ به فعلًا.

فكلُّ تلكَ الدموع التي انهمرتْ مسبقًا , دموعٌ فارغةٌ لم يعلم مصدرها إلّا أنه لم يستطع قطُّ منعَ نفسه عن ذرفها.

شهقاتُ ديدييه اندمجتْ مع ديدييه المذنب.. فانسابتْ مشاعرُ ديدييه المذنبِ بقوَّةٍ أكبر لديدييه. مشاعرٌ افتقدها كثيرًا.

أطرافُ ديدييه المذنبِ بدأت بالتفتتِ كالغبار. تشبثَّ بهِ ديدييه خوفًا عليه من الذهاب و تركه.

ابتسم ديدييه الآخر و صورته بدأت تتلاشى رويدّا، و شعورٌ قوّي بدأ يعبرُ بين جذور قلبه.

آه , فهمَ ديدييه أخيرًا. غايتهُ الحقيقيّة. لم تكن التخلص من الذنب.

بل أراد احتواءه و الشعورَ بهِ حقًّا. ما حصلَ لم يكُنْ غلطة.. كانت حادثةً كتبتْ لتحصل.

- هل سيسامحني والدي؟

سأل ديدييه جزءه المذنب و يداهُ متكورتانِ لتحمي دموعهُ المنهمرة من السقوط على الأرض.

فأجابه الآخر بلطف : والدي لم يمُت مباشرةً يا ديدييه. فأنتَ لم تسمع آخر كلماته.

-

- ديدييه لي سوليتير !!

استيقظَ ديدييه على صوتٍ مرتبكٍ عالٍ يندهُ عليه و يدانِ تهزّانهِ بعنف.

رمشَ برويةٍ يستجمعُ بعضًا من شتاتِ القوَّة ليستندَ على ذراعه..

زفرَ الآخرَ بارتياح , أرجع ظهره للوراءِ و أسقط رأيه للخلف بخفّة ينظرُ للسماءِ المظلمة.

رفع ديدييه ناظريه نحوَه مبتسمًا باتساع مستوعبًا المكان الذي هما فيه.

نسيمُ الليلِ الباردِ ذاته .. و السطحُ ذو الأرضيّة الخشنة و الحافّة التي سبقَ و أن سقطا منها.

توجّه بيده نحو صدرهِ يستشعرُ العاطفة التي تغمرُ قلبه و ضحكةٌ خفيفةٌ صدرتْ منه

بدا دولونْ مصدومًا و على وشكِ فغرِ فاهه بقوّة .. تنحنح بروية

- ما الذي يضحكك بالضبط بعدَ كلِّ هذا ؟

بدا دولون منزعجًا للغاية ... لكثيرٍ من الأشياء و أوّلها أنَّه ما زال على قي-

- حمدًا لله بأنَّك ما زلتَ على قيد الحياةْ.

عقد دولون حاجبيه عابسًا : هذه جملة لم أرجو سماعها قطْ.

قهقه ديدييه ثم رفعَ حاجبه و ابتسامته ما زالت ثابتة : لعلّك خرجت من دوّامة الجحيم , دولون تير.
-

THe ENd

-


at_177774563001481.png


هلووووووو
كيف الحال؟
شو رأيكم بالقصّة ؟ كيف البناء الدرامي تاعها؟
شكل جديد يطلع مني , زبطته ولا لا ؟
أي حدا بيلقط خطأ إملائي يا ريت يفرجيني تعبت و انا بدقق و كل مرة بيطلع اشي جديد lol
 
التعديل الأخير:

المتواجدون في هذا الموضوع

المواضيع المتشابهة
كاتب الموضوع العنوان المنتدى الردود التاريخ
GAMBOUL بوابات الجحيم القصص القصيرة 5
Α الختم الذهبي ؛│ اغوار من اسرار الجحيم │ ؛ القصص القصيرة 9

المواضيع المتشابهة

أعلى أسفل