ابسط ما يقال عن ما قرأته هو تحفة ملكية
.png)
.gif)
مُرشح للختم [ ماسي / إداري ] ~ 21 / 08 / 2026 ., Haru
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أسأل الله أن يحيطكم بلطفه ورحمته، وأن يجعل لكل من مر على موضوعي نصيبًا من السعادة و الطمأنينة، وأن يرزقه من الخير ما يتمنى، ويفرج عنه كل هم، ويجبر خاطره جبرًا يليق بكرمه، ويكتب له في أيامه القادمة ما ينسيه كل تعب مضى

اللهم اجعل لكل من يقرأ كلماتي دعوة لا ترد، ورزقًا لا ينقطع، وقلبًا مطمئنًا، وأيامًا أجمل مما يتمنى

ليس كل موت يحتاج إلى قبر، هناك بعض الأشياء التي تموت بداخلنا و نحن لازلنا نمشي و نضحك و نبتسم و نغني و نمارس حياتنا بشكل طبيعي و كأن شيئا لم يكن


لكن في داخلك أنت قد لا تدرك بأن هناك نسخة قديمة منك قد ماتت، حلم كنت تؤمن به، شغف كان يشبهك، قناعات كنت مستعدا لمحاربة الجميع للدفاع عنها، تموت هويتك الحقيقة نفسها

المفارقة ببن الموت الطبيعي و موت النفس، أن لا أحد يأتي ليعزيك .. لا أحد يلبس ملابس سوداء و لا تسمع بكاء أو نحيب، و لا يقف أمامك شخص ليقول كلمات مؤثرة و مواسية لمأساتك

لأنك لا تزال هنا

هذا ما يجعل فقدان الهوية أكثر قسوة من الموت التي تأتي كطوفان رحيم فتأخد روحك و تريح جسدك، الموت و أنت على قيد الحياة أقسى و أكثر إيلاما فما هو أصعب من أن تفقد نفسك و لا يتوقف أي شخص لحظة واحدة من أجلك


" موتٌ بلا جنازة هو عندما تفقد نفسك و لا يلاحظ أي شخص وفاتك و خسارتك "

نحن كبشر لا نفقد هويتنا عندما ننسى ما كنا عليه، بل عندما نعتاد عليها .. نعتاد على نسخة لم نكن نريدها يوما .. هل سبق و نظرت إلى نفسك في المرآة و رأيت وجهك و ملامحك المعتادة .. لكنك لا تتعرف على الشخص الذي تراه أمامك ؟


ماذا لو بقي اسمك كما هو، وملامحك كما هي، وصوتك كما هو، لكن كل شيء بداخلك تغيّر كليا ؟

تستيقظ ذات يوم و تجد نفسك فارغا من الداخل، لا تؤمن بنفس المبادئ التي كانت أساسا بالنسبة لك ! لا تشعر بنفس الحب للأشخاص الذين كنت تحبهم أكثر من أي شخص في العالم ! فقدت الرغبة و الشغف في المضي في حياتك .


لم تعد أنت، فقدت هويتك التي كانت تمثلك و تمثل صورتك أمام الآخرين، قد تظنون أن فقدان الهوية أمر بسيط و سهل تفسيره لكن صدقوني هو أعقد من ذلك .. فقدان نفسك لا يعني نسيان ماضيك و ذكرياتك و إسمك أو موطنك .. قد يخسر الشخص نفسه الحقيقية و هو يتذكر كل شيئ .

التحول يطرأ بهدوء و بدون أن نلاحظ و ببطئ شديد، نتنازل عن رأي صغير حتى لا ندخل في خلاف، أو نبتسم و نحن لا نريد الإبتسام حتى لا نفسد للناس فرحتهم، أو نخفي أحاسيسا في داخلنا حتى لا نبدو ضعفاء و يسخرون منا .

نخسر أنفسنا حينما نوافق على كل شيئ يساير القطيع حتى لا يرفضنا المجتمع، نرضى عائلتنا بمهنة و تخصص لا نريده حتى لا يغضبون منا، نقوم بأشياء لإرضاء الناس و خلق صورة تجاملهم حتى يرضون عنا و كأن أرائهم الإيجابية حولنا ستجعلنا مثالين و غير ناقصين .


يتكرر الأمر أكثر من مرة و بلا نهاية حتى يأتي ذلك اليوم الذي يصبح فيه الصمت عادة و المجاملة هروب من الواقع و التنازل أسلوب حياة .

المخيف في فقدان الهوية هو أنه لا يأتي كفشل أو معاناة، قد تكون ناجحا في حياتك و كل معارفك يحبونك و يقدرونك كشخص.. قد لا تبكي أو تحزن، لكن وسط كل هذه التنازلات المتراكمة تشعر بمشاعر خانقة لا تدرك ماهيتها .
تصبح الشخص الذي يعتمد عليه الجميع لأنك تبدو قويا و صلبا، لا تخاف التحديات و تتحمل المسؤوليات على أكمل وجه.. الشخص الذي يسأل عن الأحوال و الإنسان الذي يفهم الجميع و يستقبل ألامهم بكل ترحيب و سعة صدر ، لكن للأسف لا أحد يلاحظك.. لا أحد يسألك عن حالك أنت ؟ عن كيف تشعر ؟ ما الذي يؤلمك ؟


المرعب أكثر أنك قد تعيش حياتك بأكملها دون العثور على جواب يقنعك و يرضيك، لأنك قضيت وقتا طويلا في معرفة ما يريده الآخرين و نسيت نفسك .. نفسك التي كانت تحتجّ كل يوم و تصرخ بأعلى صوتها لمناداتك للإستماع إليها و تلبية احتياجاتها


نحن نعيش في أدوار عديدة أعزائي ، هناك منا من هو أب و أم و أخت و أخ و إبن و إبنة، لكن كل هذه الأدوار المختلفة تجسد إنسانا عبارة عن كتلة من المشاعر المتغايرة، خلفها يوجد إنسان يريد العيش و يريد تحقيق إنجاز معين، له أحلامه و مخاوفه و طموحاته و ضعفه .. تلك الأشياء التي لا يحتاج لتبريرها لأي كان .. لا يحتاج لخوض تبريرات أو نقاشات لتفسيرها

" ماذا لو جاء اليوم الذي أصبحت ترتدي فيه قناعًا لفترة طويلة، حتى نسيت أن لديك وجهًا آخر تحته ؟ "

لهذا تبدو لنا بعض شخصيات الأنمي قريبة منا بصورة غريبة ، لأن شخصياته مثلتنا في العديد من المواقف المختلفة في حياتنا الواقعية ، نحن نرتدي أقنعة كل يوم لكن الفرق بين كل واحد منا هو أن أقنعتنا أقل وضوحا

هناك من يرتدي قناع القوة و الصلابة عندما يكون محطما و منهارا.. هناك من يرتدي قناع الامبالاة ليبتعد عن الأمور التي يهتم بها أكثر مما ينبغي و ليس لديه حلول للتعامل معها برغبة جياشة و إظهار حبه الصادق لها فيكتفي بالتجاهل لإراحة قلبه و عقله و إقناعهما بالتخلي .

قناع الشخص الذي لا يحتاج أحدًا ، بينما كل ما نريده في الحقيقة هو أن يشعر بنا أحد .. قناع الإبتسامة الصفراء و السعادة الكاذبة عندما لا نريد شرح ما يؤلمنا للآخرين


السؤال لم يكن أبدا متى فقدت هويتي ؟ بل السؤال الحقيقي، كم خدلت نفسي من مرة حتى أرضي الآخرين ؟ لماذا غيرت نفسي حتى أقبل منهم ؟ و كم سكت عن حقي حتى لا أدخل في نزاعات ؟ لماذا اخترت الصمت بدلا من قول ما أريد ؟

الحياة هكذا علمتنا، نحن نتغير، ننضج، نخطئ، نتعلم، ونصبح أشخاصًا مختلفين عما كنا عليه بالأمس


المشكلة ليست في التغيير بحد ذاته ، بل أن تتغير إلى شخص لا يشبهك ثم تقضي بقية حياتك في إقناع نفسك بأنه أنت

هذا هو السحر الذي قدمته لنا الأنميات، فقد سردت لنا في قصصها عن شخصيات كانت مثلنا، شخصيات حاولوا الحفاظ على من يحبونهم رغم كل الظروف، من يريدون من العالم أن يتقبلهم حتى لو غيروا كل مبادئهم


كافحوا للحفاظ على نفسهم في عالم قاسي يجبرهم على أن يصبحوا شخصا آخر


شخصية كانت تقاتل طوال رحلتها و لعدة سنين بكل ما أوتيت لقوة لتكتشف في الأخير أنها كانت تهرب من نفسها فقط

ماذا لو كان أكثر شخص خذلته هو أنت ؟

أين هي نفسي ؟ هل هي من تخلت عني ؟ أم أنا من تخليت عنها ؟


Where is my soul ? Did it abandon me ? Or was I the one who abandoned it ?


التعديل الأخير بواسطة المشرف:
-
-



.gif)
.gif)