الفصل العاشر : مقعد فارغ
كان مجلس السماء أكثر هدوءًا من المعتاد.
تقع القاعة في أحد أقدم أجزاء القصر، خلف ممر طويل لا يُفتح إلا لأعضاء المجلس. لم تكن أبوابها تحمل نقوشًا أو شعارات، فقط سطحًا من الحجر الأبيض المصقول، تتوسطه علامة قديمة محفورة بعمق، لم يعد أحد يعرف معناها بالكامل.
عندما فُتحت الأبواب، ظهرت القاعة خلفها واسعة ودائرية، تحيط بها أعمدة مرتفعة تمتد حتى السقف المقبب. كانت الجدران مغطاة بنقوش قديمة تصور مراحل مختلفة من تاريخ أفاراث، بعضها لم يعد واضحًا بسبب مرور السنوات، بينما بقيت أخرى ظاهرة رغم محاولات الزمن محوها.
في منتصف القاعة، ارتفعت منصة دائرية تتوسطها طاولة كبيرة من الحجر الداكن، حُفر على سطحها شكل أفاراث كما كانت قبل الحرب.
أحاطت بالطاولة سبعة مقاعد.
خمسة منها كانت مشغولة.
أما المقعدان الآخران، فبقيا فارغين.
كان أحدهما مقعد سورِن.
أما الآخر، فكان المقعد المخصص لفيليرا.
جلس فيرون إلى جوار المقعد الفارغ، وأسند ذراعه إلى طرف مقعده، ثم نظر إلى مقعد سورِن للحظات قبل أن يقول:
— بدأ هذا المقعد يزعجني.
رفع كايلِن عينيه عن الأوراق التي أمامه.
— المقعد؟
— نعم.
أشار فيرون إلى المقعد الفارغ.
— كلما نظرت إليه تذكرت أن صاحبه يستطيع الغياب عن اجتماعات المجلس، ومع ذلك يظل أكثر حضورًا منا جميعًا.
ابتسم إليون بسخرية خفيفة.
— لأنك تقيس الحضور بعدد الكلمات التي تقولها.
التفت إليه فيرون.
— وأنا على الأقل أقولها أمامكم.
ضحك ليرايِن بهدوء.
— وهذه بالضبط مشكلتك.
رفع فيرون حاجبه.
— أي واحدة؟
— أنك لا تعرف متى تصمت.
— لو كان الصمت يحل المشكلات، لكانت أفاراث بأفضل حال.
ساد صمت قصير.
أغلق كايلِن الأوراق أمامه.
— هل يمكننا أن نبدأ؟
نظر إليه فيرون.
— كنت أعتقد أننا بدأنا منذ أن جلست هنا.
— كنت أقصد الاجتماع.
— وأنا أيضًا.
تنهد كايلِن.
أما إيريندور، فظل صامتًا وهو يتفحص إحدى الخرائط الموضوعة أمامه.
قال ليرايِن:
— لم تصل أخبار من الشرق حتى الآن.
رفع إيريندور عينيه.
— لا.
— هل تأخر سورِن من قبل في إرسال تقرير؟
أجاب إليون:
— ليس بهذه المدة.
قال فيرون:
— ربما وجد شيئًا يستحق أن يبقى بعيدًا عنه.
نظر إليه كايلِن.
— ماذا تقصد؟
— لا شيء.
ابتسم فيرون.
— فقط أحاول أن أجد سببًا يجعل مستشارنا الأول يرسلنا إلى المجلس ليشرح لنا ما يحدث، بينما يفضل هو أن يحتفظ بالمعلومات لنفسه.
قال إيريندور بهدوء:
— لم يرسلنا أحد إلى هنا.
— أنت تعرف ما أقصد.
— نعم.
رفع إيريندور نظره عن الخريطة.
— ولهذا لم أجبك.
ابتسم فيرون.
— بدأت أحب اجتماعات المجلس.
قال ليرايِن:
— هذه أول مرة تقول فيها شيئًا كهذا.
— لم أقل إنها جيدة.
تسللت ابتسامة قصيرة إلى وجه إليون.
لكن كايلِن لم يبتسم.
أشار إلى الخريطة أمام إيريندور.
— ما الذي وجدته؟
دفع إيريندور إحدى الأوراق إلى منتصف الطاولة.
— تقارير المراقبين قبل انقطاع الاتصال.
اقترب الجميع قليلًا.
— هناك تغيرات في الحدود الشرقية.
قال فيرون:
— هذا عرفناه.
— ليس بهذا الشكل.
رفع إيريندور إصبعه وأشار إلى عدة علامات على الخريطة.
— هنا، وهنا، وهنا.
قال ليرايِن:
— هذه المناطق كانت مأهولة قبل الحرب.
— نعم.
— والآن؟
— معظمها مهجور.
تدخل إليون:
— بسبب الحرب.
هز إيريندور رأسه.
— ليس بالكامل.
رفع فيرون عينيه إليه.
— ماذا وجدت؟
توقف إيريندور لحظة.
— آثار حركة حديثة.
ساد الصمت.
نظر كايلِن إلى الخريطة.
— جنود؟
— لا نعرف.
قال فيرون:
— إذن أرسلنا سورِن والفرقة إلى هناك ليعرفوا.
— هذا هو السبب.
ابتسم فيرون ابتسامة جانبية.
— أخيرًا شيء واحد نتفق عليه.
ثم مال إلى الخلف.
— لكن هناك شيء لا أفهمه.
نظر إليه كايلِن.
— ماذا؟
أشار إلى المقعد الفارغ.
— لماذا دائمًا يجب أن يكون هو الذي يذهب؟
لم يجب أحد.
تابع فيرون:
— لدينا خمسة مستشارين هنا، ومع ذلك عندما يحدث شيء خارج أفاراث، يكون الاسم الأول الذي يُذكر هو سورِن.
قال ليرايِن:
— لأنه الأفضل في التعامل مع الأمور العسكرية.
— لم أقل إنه ليس كذلك.
ثم مال قليلًا إلى الخلف، وقال بنبرة ساخرة:
— لكن يبدو أن كونه الأفضل في شيء واحد أصبح كافيًا ليحصل على المقعد الأول.
رفع إيريندور رأسه.
— أنت غاضب لأنه أصبح المستشار الأول.
ضحك فيرون.
— غاضب؟
ثم هز رأسه.
— لا.
توقف للحظة.
— منزعج فقط من أنني أحتاج إلى النظر إلى ذلك المقعد كل يوم.
قال كايلِن:
— الفرق بينكما بسيط.
— ماذا؟
— هو يفكر قبل أن يتكلم.
ابتسم فيرون.
— وأنا أتكلم حتى أفكر.
قال ليرايِن:
— وهذا واضح.
ضحك إليون هذه المرة.
حتى فيرون ابتسم.
ثم عاد الصمت إلى القاعة.
كان المزاح قد انتهى، وبقيت الخريطة في منتصف الطاولة.
قال كايلِن:
— لنترك سورِن جانبًا الآن.
رفع عينيه إلى الآخرين.
— هناك أمر آخر.
وضع إليون مجموعة من الأوراق أمامه.
— مخزون الطاقة انخفض مرة أخرى.
تغيرت ملامح ليرايِن.
— كم؟
— أكثر من الشهر الماضي.
قال فيرون:
— ومنذ متى ونحن نكرر الجملة نفسها؟
أجابه إليون:
— منذ بدأت الأرقام في الانخفاض.
— وهذا لا يخبرنا بشيء.
— لأنه لا يوجد شيء آخر أخبركم به.
تدخل إيريندور:
— هل الانخفاض متساوٍ في جميع المناطق؟
هز إليون رأسه.
— لا.
وأشار إلى الخريطة.
— المناطق القريبة من المدن الكبيرة أفضل حالًا.
ثم أضاف:
— أما المناطق البعيدة، فالوضع أسوأ.
قال ليرايِن:
— هذا يعني أن البشر هناك...
لم يكمل.
لكن الجميع فهم.
رفع فيرون عينيه عن الأوراق.
— هل أخبرتِ فيليرا؟
نظر إليه إليون.
— بالطبع.
— وماذا قالت؟
— لا شيء.
سكت فيرون.
ثم قال:
— هذا ليس جيدًا.
في أعلى القصر، بعيدًا عن قاعة المجلس، كانت هناك غرفة لا يدخلها أحد إلا بإذن فيليرا.
لم تكن مزينة كما كانت بقية القاعات.
لا أعمدة ذهبية، ولا نوافذ واسعة، ولا تماثيل للحكام الذين سبقوا فيليرا.
كانت الغرفة أقدم من ذلك كله.
جدرانها من حجر أبيض مائل إلى الرمادي، تتخلله خطوط دقيقة تشبه جذورًا متشابكة، تمتد من الأرض حتى السقف.
وفي منتصفها ارتفعت دائرة حجرية ضخمة، محفورة داخل الأرض.
لم يكن بداخلها شيء.
فقط ضوء.
ضوء خافت ينبض ببطء، كأنه يتنفس.
حول الدائرة، امتدت سبعة أعمدة قصيرة، يحمل كل واحد منها نقشًا مختلفًا.
كانت الغرفة ساكنة عندما دخلتها فيليرا.
أغلقت الباب خلفها، وبقيت للحظات واقفة دون أن تتحرك.
في منتصف الغرفة، كانت الدائرة الحجرية لا تزال مضيئة بذلك الوهج الخافت الذي اعتادته، بينما امتدت النقوش المحفورة حولها في حلقات متتابعة.
اقتربت فيليرا.
رفعت يدها فوق الدائرة، ثم أغمضت عينيها.
كانت القوة قد تجمعت داخلها بالفعل.
دفعتها إلى الأمام.
في اللحظة التالية، اشتعلت النقوش المحيطة بالدائرة بضوء أبيض ناعم، وانتقلت الطاقة عبر المسارات المحفورة في الأرض، ثم بدأت تمتد إلى ما وراء الغرفة، نحو أفاراث.
راقبت فيليرا الضوء وهو يتوزع.
واحدة تلو الأخرى، بدأت العلامات القديمة تضيء.
لكنها لم تستطع منع نفسها من ملاحظة الفرق.
كان الضوء أضعف.
أبطأ.
وينطفئ أسرع مما ينبغي.
ثبتت يدها في مكانها، وحاولت دفع المزيد.
استجابت الدائرة للحظة، فاشتد الضوء حولها.
ثم خفت من جديد.
تغيرت ملامح فيليرا.
حاولت مرة أخرى.
هذه المرة، شعرت بقوة جسدها تُستنزف أسرع من المعتاد.
تراجعت خطوة.
انطفأت إحدى العلامات.
ثم عادت مضيئة بعد لحظات، لكنها ظلت أضعف من البقية.
نظرت فيليرا إليها بصمت.
لم تكن هذه أول مرة يحدث فيها ذلك.
لكنها كانت المرة الأولى التي يصبح فيها الفرق واضحًا إلى هذا الحد.
وضعت يدها على صدرها.
كانت أنفاسها أثقل قليلًا.
لو كان هذا ما تستطيع منحه لأفاراث الآن...
فماذا سيحدث إذا ازداد الأمر سوءًا؟
أعادت نظرها إلى الدائرة.
كانت الطاقة لا تزال تنتقل إلى المملكة، لكن بمعدل أقل.
رفعت يدها مرة أخيرة، محاولة الحفاظ على التدفق.
ثبتت عينيها على الضوء.
— استمر...
خرجت الكلمة هامسة.
وللحظات، استجاب لها.
ثم خفت الضوء مرة أخرى.
أنزلت فيليرا يدها.
ظل الصمت يملأ الغرفة.
لم يكن عليها أن تسأل نفسها إن كان هناك خلل.
كانت تعرف الإجابة.
المشكلة لم تكن في الدائرة.
ولا في أفاراث.
كانت المشكلة في القوة التي أصبحت قادرة على منحها.
عاد الصمت إلى مجلس السماء.
قال كايلِن:
— لا يمكن أن يستمر هذا.
رفع فيرون رأسه.
— إذن لا تدعوه يستمر.
نظر إليه كايلِن.
— وكيف؟
ابتسم فيرون.
— لا أعرف.
ثم أسند ظهره إلى مقعده.
— لهذا نحن خمسة مستشارين.
نظر إلى المقعد الفارغ مرة أخرى.
ثم قال بسخرية خفيفة:
— وسادس لا يعرف أحد متى سيعود.
لم يرد أحد.
لكن في تلك اللحظة، بدا المقعد الفارغ أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
في الغرفة القديمة، رفعت فيليرا رأسها.
بقيت الدائرة مضيئة، لكن الضوء لم يعد ثابتًا كما كان.
راقبته للحظات، ثم أدارت ظهرها له.
كانت تعرف أن أفاراث تعتمد عليها.
لكنها بدأت تفهم شيئًا لم ترغب في الاعتراف به:
لم تعد قوتها كما كانت.
وقفت أمام الباب للحظات قبل أن تفتحه.
ثم خرجت، وأغلقت الغرفة خلفها.
وبقي الضوء الضعيف وحده في الداخل.