حديقة السّرايا (6 زائر)


ألفبائي

وَما الدُّنْيا بِباقِيَةٍ لِحَيٍّ، وَما حَيٌّ عَلَى الدُّنْيا بِباقٍ
إنضم
14 يناير 2022
رقم العضوية
12560
المشاركات
573
مستوى التفاعل
1,713
النقاط
281
أوسمتــي
4
توناتي
395
الجنس
ذكر
LV
1
 
كانت الشمس توشك أن تغيب لحظة اسْتِغراقيّ في النظر إلى الشارع الخالي من المارة. لا أرى نفرًا من الناس؛ فالناس يفضلون ألا يخرجوا من بيوتهم في الأمسيات الباردة. أما أنا فبسبب ضائقة نفسية أمرّ بها، قررتُ الذهاب إلى حديقة السَّرايا التي اُفتتحت قبل أشهر. كل من أعرفه مضى إليها فيما عداي. تقع الحديقة في أطراف المحافظة على مسافة ساعة من بيتي بالسيارة. لقد زارها زميلي، في كلية الأدب العربي، نوفل نهارًا. قال نوفل يصف لي نُزْهَتَهُ: "الحديقة لا عيب فيها سوى أنها واسعة. الناس يجلسون على العشب يستجمون بنور الشمس." ليته توقف هنا! - يقول وهو يسترجع ما حدث معه بأسلوب ظننتُهُ تمثيليًا أكثر منه حقيقة: "تمشيتُ في بقعة ملْأى بالأشجار، ورأيتُ رسمة عُلِقت إلى شجرة، مضمون الرسمة: وجه المسيح الدجّال بصورة مُقشعرة للبدن! وذُيِّلَتْ بتوقيعٍ ناطقٍ بتحذير: (الوَحَا الوَحَا، فالنَّجَاءَ النَّجَاءَ)! مِنْ ساعتها وأنا أرى عينًا جاحظة في المنامات. وأرْهب البقاء في مهْجعيْ وحدي". غير أنني لا أصدقه فهو أكذب من فاختة. اتكلتُ على الله، سأنطلق الآن. وقبل أن أهمَّ بالخروج سمعت صوت أمي يخاطبني: "حذيفة أين أنت ذاهب يا ولدي؟"

- "إلى حديقة السّرايا."

فقالت لي مترجية: "ناشدتك الله يا بني لا تذهب!"

- "ولكن لماذا؟!"

شرحت أمي السبب: "الجارة أم بتعة ذهبت إلى هناك وقالت لي: حين وصولي إلى الحديقة كان يخالجني شعور بأن هناك عيونًا تتربص بي وبعائلتي."

عندئذ انفرجت شفتاي عن ابتسامة، وقلت: "لن يحدث شيءٌ سيءٌ لي، وإنّ جارتنا أم بتعة لامرأة خوّافة".

- "الحديقة تتاخم قفرًا فيه سبخات، وهو واسع الأفق ولا يعلم أحد ما فيه." قالت أمي.

- "صحيح، أعلم هذا. لقد قرأتُ في الجريدة أنّ البلدية اختارت بناء الحديقة محاذية لأرض سبخة قاحلة؛ لوقف زحف الصحراء، بأشجار صحراوية محلية، ولتكون حزامًا أخضر يصد هبّات الغبار والرمال."

- "ابقَ في البيت يا حذيفة، وإن كنتَ مصممًا على الخروج فلا تذهب إلى الحديقة!" قالت وهي ترجوني مرة أخرى.

نظرتُ في عينيها وتأملت نبرة صوتها. لماذا هي كثيرة الخوف من ذهابي إلى الحديقة؟ ولأجل هذا الإلحاح الذي لا طائل منه، والله لأذهبن إلى وجهتي المعلومة! ومع ذلك ولأنها أمي الحبيبة سوف أريحها وأريح نفسي، فقلت لها:

- "اطمئني يا أماه. سوف أذهب إلى بيت صديقي رفاعة" لقد كذبتُ عليها.

عندئذ تنفست أمي الصعداء وقالت: الحمد لله! إنّ رفاعة لَابْنُ أصل، وهو بمكانة ابني. لا تتأخر.

الواقع أنني شعرت بتأنيب الضمير أنني كذبتُ عليها، ولكنني قلت كذبتي هذه؛ لكيلا تُعطل رحلتي.

ارتديتُ معطفًا صوفيًا. وقبل خروجي من المنزل، استوقفتني أمي قائلة وعلى وجهها سيماء القلق: "الحذر الحذر!"

حينئذ أحسستُ بألم في قلبي وجف حلقي، مُتخيلًا نفسي بسبب تحذير أمي أنني عُصْفُورَ دُورِيٍّ حالما يخرج من عُشِّهِ سيفترسه صقر. ورسمت ابتسامة على وجهي؛ حتى لا تقرأ فيه أنني كاذب!

ركبتُ سيارتي ولم أرغب في تشتيت ذهني بكلمتَيْ أمي اللتين قالتهما لي قبل خروجي. أنت ولد عاق يا حذيفة! لُمْتُ نفسي. أمي أحسنت تربيتي وكانت نِعْمَ الأم. كيف طاوعني قلبي أن أعاندها وأكذب عليها، وهي التي أفنت عمرها وشبابها في خدمتي وإرضاء أبي رحمه الله؟ إن لها كامل الفضل فيما أنا عليه من نعمة. لولاهما، أمي وأبي، ما طاب لي عيش ولَمَا ذقتُ أيامي الهانئة. لقد أصبحت أمي، بعد وفاة أبي، دُنياي كلها. لكن صوتًا معارضًا ولا أحسبه صوت الشيطان قال لي: لا تلقِ على نفسك باللائمة! أنت لم تتعدَ التاسعة عشرة من عمرك بعد، لتلعب وتلهو في مغامرة بريئة. زفرتُ بقوة وقمتُ بتوجيه تفكيري إلى ما سوف أراه في الحديقة. سوف أجد في الحديقة الفرصة للنأْي بنفسي. عندما دَجَن الليل كنت أقود سيارتي على الطريق المسفلت. هناك حديث شريف يقول: "عليكم بالدُّلْجةِ فإنَّ الأرضَ تُطوى بالليلِ". كان صوت الراديو يصدح داخل السيارة. كنت أقلب محطات الإذاعة واستقررت على محطة دينية كانت تقص على المستمعين قصة وأوصاف المسيح الدجال. خفتُ مما سمعته فأطفأتُ الراديو. وأصبح الصمت سيد المكان. وعلى الفور قفزت إلى ذهني رواية نوفل ثم رواية أم بتعة. لن أسمح لروايتيهما أن يكون لهما سلطانٌ عليّ! في طريقي إلى الحديقة، صادفتُ بقالة على جانب الطريق، فاشتريتُ منها طعامي المؤلف من عصير وجبن.

وصلت أخيرًا ونزلت من السيارة. ثمة عبارة مرقومة فوق بوابة الحديقة الحديدية الضخمة ذات القضبان العمودية: "مرحبًا بكم في حديقة السَّرايا". يا لهذه الأُبَّهة! كانت الحديقة مسوّرة بجدار عالٍ مبنيّ من الخرسانة. البوابة نفسها تعطيك شعورًا أنك أمام هيكل قوطي من طراز الرعب التقليدي العائد إلى بداية القرن العشرين. وقفتُ أمام لوحة تعريفية مصنوعة من الخشب مكتوب عليها هذه الكلمات: " حديقة السَّرايا - تأسست عام 1997م - مقر إدارة الحديقة في مبنى البلدية في الدور الأول".

قبل عبوري البوابة، هَسَّتْ قطة شارع في وجهي؛ تقوّس ظهرها وفتحت فمها مُبديةً أنيابها. حاولتُ ملاطفتها: "بِسْ- بِسْ- بِسْ!" بيد أنّ القطة فَرّتْ مُسرعة في الظلام. ها أنا ذا في الحديقة. ما كان في المكان من ابن آدم إلا إيّاي. كان ضياء القمر غير المحجوب بالسحب، حتى تلك اللحظة، يُضيف رونقًا بهيًّا على الحديقة والْلّيْل. ولولا الْقمر لكان ليْلٌ سُخام يكتنف الحديقة مثل قماش أسود مفرود مُشكلًا الفضاء. وقعت عيناي على أفق الحديقة، وتخطّت سائر المشاهد لتستقر على أقصاها. لم أسمع غير هبوب الريح ونعيب طائر البوم يتردد بين الأغصان بين حين وآخر. بقيت هكذا لدقائق مَوْصُولَة. لولا معطفي الصوفي؛ لَمَا احتملتُ البرد القارص. لقد كان هناك ممر يخترق الحديقة؛ للمشي عليه دون الحاجة إلى وطء العشب. ثم انطلقت ساقاي ومررتُ أولًا بنافورة عتيقة الطراز، نصفِ ممتلئةٍ ومِضَخَّتُها معطّلة، وكان ماؤها راكدًا مُزْمنًا، وفي قاعه الطحالبُ والنوامي الخضراءُ اللزجة وفضلات الطيور. وبدأتُ أغذ السّيْر في أغْوَار الحديقة مُصغيًا إلى حفيف أشجار الغاف والطلْح. وفيما أنا أطوف، بصرتُ بثعلبٍ يفتش في نفايات طعامٍ بين العشب، كان الناس قد حملوا أنصبتهم من عشائهم. وما أنْ أحسّ بوجودي حتى توارى وراء شُجيرة. اخترتُ بقعة معشوشبة ورحتُ ألتهم طعامي في شهوة ذئب عربي إلى الطعام، شاعرًا بمتعة بالغة، وفي الوقت نفسه أُجيل الطَّرْف في الأشجار المنضودة والمساحات المتنامية المترامية وبالشجر اللَفِيف. بادرني إحْساس: هذه الحديقة غابة أكثرُ منها حديقة! واستوقفني مشهد لمنطاد أصفر عائم في الفضاء مُضيء؛ وكان ينساق مُحلقًا خالعًا على الفضاء إحساسًا بأنه نجمة صفراء أو تفاحة ضخمة من نفس اللون. وخُيّل إليّ أنّ هذا المنطاد ما ظهر في هذه اللحظة إلا لمواساتي؛ ليرسم مسرحية صامتة تمنحني إحساسًا بالمؤازرة، وتهمسُ لي بأني سأطيرُ يومًا في دنيا حالمة، في حياةٍ أخرى بعيدة. وهكذا اختفى المنطاد تاركًا في نفسي غيْرَة وحسْرَة. حين حثثتُ الخُطى مجددًا كان الضباب قد بدأ يتشكّل مما أضفى على فضاء الحديقة العشبي المُسجى، بشجراته وشجيراته ونخيل التمْر والنبق وفسائله، طابعًا غامضًا لا أعرف كيف أصفه؛ طابع يدفعك لأن تتماهى في الضباب البارد وهو يمتزج فوق الحديقة، فتختفي فيه حتى لا يبقى لك أي أثر، وتكون مجرد إنسان كان هنا ثم أصبح في عالم الرؤى والأحلام. الضباب يخلع على الليل حِسَّا غرائبيًا يُذكر بالوحدة والمقابر. بيْد أن سقوط الندى كان يمنحني شعورًا بِالطُّهْرِ، وكأن قطرات الندى تنفذ إلى روحي فتغسلها. وحين مررتُ بين شجرتين عَرَتْني الدهشة؛ إذ رأيتُ خفاشًا متعربشًا على إحداهما. فخاطبته: بَهْ بَهْ! إنك لخفاش مقلوب رأس على عقب تحت هذا الغصن! أنت نائم، ولكن كم ذُبابة وبعوْضة أكلتْ لتستغرقَ في كل هذا النوم؟ يا خفاش، ممنوع عليك أن تأكل عنكبوتًا فالعنكبوت خيرُ مُبيد للذُّبَاب.

إلى هذه اللحظة كانت الحديقة تُبشرني بنزهة سعيدة. حتى أنني فكرت في الذهاب إليها مرة أخرى، مُصطحبًا أمي معي؛ حتى لو اضطررت لحملها فوق كتفي! ورحت أفكر إلى أيِّ حدّ كان نوفل وأم بتعة متوهِّمَيْنِ أنّ الحديقة فيها خبائث وشرور خفيّة. كنت أسمع بين الفينة والفينة نباح الكلاب الضالة، وربما الضباع أيضًا لأنني أسمع صوت ضحكات مرعبة، تترامى إلى مسامعي من أقاصي القفر. حمدتُ الله أن إدارة الحديقة شَيَّدَتْ سورًا لمرتاديها. بَيْنَمَا كنت أتابع تقدمي، رحتُ أُصغي إلى الأصوات الخفية المستمرة، وكانت أشبه بعزيف الجن، ولم يقطعها إلا أزيز أرجوحة صدئة قد مررت بها وكانت تذهب وتعود في الهواء. بدا لي هدير الرياح مثل صوت طفل نائح يسفح العبرات ويفطر القلب. وفي عمق شرودي المتماهي مع ذلك الصوت الباكي المأتميِّ، وَطِئْتُ حفرة صغيرة يغمرها الماء فأصبح حذائي مُوحلًا. ولكني لم أسمح لهذه الحادثة الصغيرة أن تعكر صفوي. وتوغلتُ في الحديقة إلى الدرجة التي معها شعرتُ أنها تحيط بي من أقطارها جميعًا وأنني لن أتمكن من بلوغ منتهاها أبدًا. ولَمّا لم أعد قادرًا على المشي أكثر مما مشيته، قررت أنْ أرتاح، مُستلقيًا على العشب، على أنْ أبرح الحديقة وأنكص على عقبيّ ما إنْ أستجمع طاقتي التي بددتُها في التوغل في هذه الغابة. شممت رائحة الطين الرطبة. وأخذتُ أنظر إلى صفحة سماء الليل. بعد فترة يسيرة مرّ سربٌ من الطيور المهاجرة أمام القمر وقد خلع ضوءه عليها لونًا فضيًا. قلت بصوت مسموع: "الله الله على هذا المنظر! أنت محظوظ يا حذيفة!" كان القمر يبدو ويختفي فتتكفل سارية عالية بتوفير الضوء على مساحة ممتدة من حولي. كنتُ غارقًا في سَبَحَاتِ خيالي وأنا أشاهد الفضاء وقمم الأشجار الباسقة. لكني سرعان ما أفقتُ من غفلتي؛ إذ سمعت فجأة صوت دَبْدَبة أقدام في الجوار. فالتفتُ ورائي، فوجدت شيئًا يندس بين الشجر. قلت في نفسي: "أتراه يكون كلبًا؟ لا بد أنه كلب.

لم يطمئن قلبي وأدركتُ على التوِّ ضرورة الانسحاب دون لفتِ الانتباه. ولو لم تكن ساقي مخدّرة لنهضتُ من مكاني في خفة ووليتُ الأدبار. حين وقفتُ بالكاد على قدميّ، سمعتُ صوتًا يخاطبني: "اُقْعُدْ اُقْعُدْ حذيفة!" كم هالني أن يظهر شخص غريب في فَحْمَة العِشَاءِ! وكم هالني أنه نطق باسمي! ولا أعرف كيف ربط الله على قلبي لحظة أدرتُ رأسي لرؤية صاحب الصوت، فوقع الروع في قلبي لِلسَّاعَة. كانت لوجهه جهامة لا تبعث الطمأنينة في النفس على الإِطْلاَق. رسمت ابتسامة متصنعة على وجهي اتقاء شره. كنت أريد أن أقول: "آسف يا أخي، يجب عليّ الرحيل فقد تأخرت." لكن لساني انعقد عن الكلام وَدَبَّ الخدر في ساقي فسقطتُ جالسًا على الأرض. أما هو فقد جلس متربعًا قبالتي يحدق بي فاستوحشت منه وحشة شديدة مرتعدة أوصالي. ولِوَهْلَةٍ، فيما أنظر إلى هذا الجالس أمامي، الذي عيناه لا ترمشان، مُرتابًا في أمره، تخيلتُ أنّه مخلوق إنّما انبثق من لَيْلِ الحديقة نفسها. وأنه لا يظهر من مخبئِهِ، في قِطْر من أقطار الغابة، إلا حين يغْشى اللَّيْلُ المكان، ولا يخرج إلا للفرد المستوحد المُفتقر لعصمة تحميه وجماعة ترد عنه غائلة الغدر. آلمني قلبي بشدة حتى لقد غدا قاب قوسين أو أدنى من التوقف، حين رأيته يتكلم: " كلما رغبتُ في الجلوس مع أحد خاف مني وهرب. لماذا لا يستأنس أحد بي؟ سوف أشنق نفسي تحت شجرة! أو أشد وثاق أحدهم بحبل في شجرة لئلا يهرب!"

فكرت في نفسي: أعرف أنه يتعين عليَّ الفرار ولكن هذا المسخ من دون شك سوف يدركني. وقتئذ ظهرت على فمه الغليظ اختلاجة تشبه الابتسامة. كان حدسي يخبرني أن هذا الشخص لفي ميسوره قراءة ما أفكر به. ولكن شيئًا ما استرعى انتباهي عندما تفرّستُ بإمعان في وجهه الصَلْد الذي تقشعِر له الأبدان؛ إذ تبادر إلى ذهني أن صفاته الخِلْقِيّة مألوفة لدي أو بمعنى أصح قد سمعتها من المُحاضر الديني عبر الإذاعة وأنا في طريقي إلى الحديقة. أتراه يكون . . .؟ لقد تخايل لي في تلك اللحظة أنني أجلس أمام المَسِيحِ الدَّجَّالِ! ولأول مرة أراه مَضْطَرِبًا يتجنب النظر إليّ مُجيلًا طرْفه في الفضاء؛ فقد لاح لي شيءٌ من خوف في عينيه الضاريتين. ولقد قال بصوت مُغَرْغِرٍ مُشيرًا بإصبعه السبابة: "انظر هناك! هل تعلم أن ذلك الجزء من السور فيه فُتْحة؟ تعال معي لأُريك إياها." لقد بدا لي أنه يصرفني عن شيء ما.

تذكرت صورة أمي الحبيبة وهي تقول لي: "الحذر الحذر!" فرحتُ أنقب في ذاكرتي التماسًا لِما عَلَقَ فيها من التَّعَوُّذَاتِ

- هبْ لي يا إلهي العوْن.

فتذكرتُ على الفور الاِسْتِعَاذَةَ من الأربع، فقرأتُ عليه: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال". عندئذٍ قلب اللعين لي سحنته وقبُح وجهُه أكثر من ذي قبل وازدادت الظلمة فيه، فَعَرَتْني صدمة ذعر. وابتهلتُ في قلبي: " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ." فجحظت عيناه ورأيتهما تتوقدان وترميانني بالشر. وعندئذ وقف بكامل قامته كالضبع ودسَّ يده تحت ثوبه واستلَّ خنجرًا من غمده! فرحت أتلو وأكرر هذا الدعاء: "بِاسمِ الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم." فأجفلت عندما وجدته يرتجف من قمة رأسه إلى أخمص قدميه مثل شجرة هزتها عاصفة. ولا أعرف كيف وليتُ هاربًا منه، ولا كيف انقلبتُ إلى سيارتي! لقد شاء سوء طالعي أنْ يكون لي لقاء مع الشيطان، وأنْ يَصْدُقَ نوفل! ولأمنع نفسي عن الانهيار في أثناء قيادتي للسيارة، تفكرتُ في معنى هذا الحديث الشريف الذي أُفسّرُ به ما حدث لي منذ قليل في سَوَادِ الْلّيْلِ: إذا كان جُنحُ اللَّيلِ فكُفُّوا صِبيانَكُم؛ فإنَّ الشَّياطينَ تَنتَشِرُ حينَئِذٍ، فإذا ذَهَبَ ساعةٌ مِنَ اللَّيلِ فخَلُّوهم، فأغلِقوا الأبوابَ، واذكُروا اسمَ اللهِ؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يَفتَحُ بابًا مُغلَقًا، وأوكوا قِرَبَكُم واذكُروا اسمَ اللهِ، وخَمِّروا آنيَتَكُم واذكُروا اسمَ اللهِ، ولو أن تَعرُضوا عليها شَيئًا، وأطفِئوا مَصابيحَكُم.

هرعتُ إلى والدتي التي كانت تنتظرني قلقة، لكأنها كانت تدري، مثل الطفل الصغير الباحث عن السلامة والأمان بين يديْ أمه. ناولتني أمي كوبًا فلم أشرب إلا رشفة ماء ضئيلة من هول ما أصابني. وانتظرتني أمي حتى أهدأ وألتقط أنفاسي وأستعيد شيئًا من هدوئي. فاعترفت لها أنني كذبتُ عليها ورويت ما حدث لي في الحديقة.

كانت أمي تتأمل كلامي حرفًا حرفًا وكلمة كلمة، ولم تقل لي كلمة واحدة لائمة. وبقيت والدتي تحصنني بالأدعية والأذكار فاطمأنَّ قلبي. ثم طلبت مني أن أستحم بينما هي تنظف الأريكة من بقايا الطين العالقة بثيابي. وضعت ملابسي في سلة جمع الثياب المتسخة في الحمام ودخلتُ في حوض الاستحمام علّني أستمد من الماء الساخن، الذي يهطل على رأسي مدرارًا من رشاش الماء، الراحة والاسترخاء لأعصابي المتعبة.

لا أصدق أنني أمسيتُ بخير وأنني أرى وجه أمي الحنونة وهي تضع إبريقًا مملوءًا بالماء فوق المدفأة الزيتية؛ لأشعر بالدفء. وأخذت أفكر بسوء العاقبة لهذه النزهة المؤطرة بكذبة. ما لي وللحديقة؟ وما شأني بها؟! لو أنني قضيتُ أمسيتي مع صديقي الوحيد رفاعة؛ فنحنُ رفيقان حميمان، ونتفاهم أحسن ما يكون التفاهم. لو ابتكرنا طقسًا فريدًا لقضاء أُمسية هانئة؛ فقد كنا مبدعَين في التخطيط لِنُزَهٍ شيِّقة. كنا أحيانًا نتسامر فوق سطح البيت؛ حيث نغدو أقرب إلى الكواكب والنجوم، ونرى الشارع والبيوت المجاورة كخريطة جغرافية. وكنا نذهب أحيانًا إلى قطعة أرض بين برزخين؛ وأعني بكلمة برزخين أن الأرض فاصلة، فهي ليست برّية عذراء ولا أرضًا هجرها البشر، وإن كانت ما زالت تحمل آثار تلويثهم لها: إنها أرض براح لا تبعد عن البحر وفي إمكاننا أن نستنشق هواءه المالح، نتخذ فيها شجرة طلح ميتة وإن ظلّت شامخة، فنجلس تحت ظلها ونرتشف الشاي ونتدفأ بالحطب المُستعر نارًا. وأحيانًا نذهب إلى المقهى.

نمتُ في الْمَجْلِس وكانت أمي تأتي لتطمئن عليّ كل حين.

ساعدني النوم ورعاية أمي لي على نفض مشاعر القلق المتبقية عنّي من ليلة البارحة المُرَوِّعة. وفي الظهر، وحين ذهبت والدتي لأخذ قيلولة، بقيتُ وحدي صاحيًا في فناء البيت المربع، ذي المساحة الترابية، أتنعم بدفء الشمس. متعتُ عيني بالنظر إلى شجرة السدر مُتخيلًا أنّ قُبْرة ستعشعش على الأرض مُستظِلة بأغصانها وأوراقها وتنطلق حنجرتها بغناء عذْب. وهكذا بقيت مستغرقًا في النظر إلى الشجرة إلى أن غمض جفناي ونمتُ. غير أن ضجة ما آتية من أعماق البيت، أو هكذا تهيأ لي، أيقظتني عنوة من غفوتي. قفزت من مكاني هلعًا، وذهبت إلى الداخل مُحْتَرِسًا خائفًا ومُتَرَقِّبًا لِلْخَطَرِ من أية جهة. أردت الاطمئنان على أمي أولًا، ففتحت باب غرفة نومها فوجدتها نائمة نومة الملائكة.

إن في بيتنا ممرًا طويلًا يُفضي إلى سبع غرف نوم، نشغل أنا وأمي اثنتين منها فقط. في حين تبقى خمس غرف نوم، يسكنها الصمت المُطبق دائمًا، والظلام حين يحلُ اللَّيْلُ. هكذا بنى أبي، رحمه الله، البيت؛ لأنه ظنّ أنه سوف يُرزق بِأبناء كثيرين، ولمّا لم يُنجب غيري، جعلها موئلًا للضيوف الخاصين المقربين وجديرة بضيافتهم. أما بعد وفاته فقد هُجرت الغرف الخمس ولم تعد تُوطأُ إلا حين تقوم أمي، كل أسبوعين، بنفض الغبار والتراب عن أثاثها. فتظل أبوابها مقفلة وهو ما يترك في نفسي، حين لا يكون مزاجي رائقًا، خيالات ووساوس مرتبطة بالجن والعفاريت. كذلك أقول: إن ستًا من هذه الغرف تتواجد على جانبي الممر، كل غرفة تقابل الأخرى، فيما تقع الغرفة السابعة في نهايته والواقعة في مؤخرة البيت. بينما كانت عيناي تستطلعان الممر، وناظرًا في ريبة إلى باب الغرفة السابعة، قد سَرَى في عروقي منها خوف باطني؛ لكأنني سمعت خلف بابها صوت سُعْلة! ولكأنني إن فتحت الباب في التو فسأرى رؤية ستسقطني جثة هامدة من فوري! لطالما كانت الغرفة إياها، حتى من قبل تجربتي الأخيرة، تجعلني أشعر بشعور ثقيل؛ فلا أمي ولا أنا ندخلها إلا في النادر النادر. ولئن كنتُ أفضل أن أمكث في القبْو ستين دقيقة لهو أهْون عليّ من أنْ أمكث في الغرفة السابعة ستين ثانية! حتى إن أمي نفسها تشعر بالشعور ذاته إزاء هذه الغرفة. أما الآن وفيما أنا واقفٌ بِباب الغرفة فإنني أشعر بشعور أثقل لا لغةً قادرة على توصيفه توصيفًا دقيقًا. غشيتني جملةٌ من المشاعر المظلمة: كآبة، وحُصرة، وغُمة. فتنهدتُ تنهيدة أتبعتُها باستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم قفلتُ راجعًا إلى غرفتي فهدأت نفسي قليلًا.

في المساء استقبلتُ صديقي رفاعة في مَضْيَفَةِ بيتي. إنّ حديثنا ليتجلّى أمام جَذْوَة النار وطقْطقة الجمْر المتوقد في الزاوية. وأخبرته بكل ما جرى، وكان مستمعًا لي باهتمام فتنهد تنهيدة طويلة: "إنها لتجربة مخيفة حقًا!"

- "أصبحتُ أعيش في خوفٍ دائم!"

- "إنك لستَ ملامًا على الإطْلاق."

نظرت في عينيه اللتين تحملان عتابًا بكلام غير منطوق. فقال خطابه: "أنا لم أذهب قطُّ إلى حديقة السّرايا، ولكن يقولون إن سمعتها سيئة وتحصل فيها أمور مثيرة للشبهة."

- "شبهة ماذا؟"

- "لقد سمعتُ عن عدّةِ حالات اختفاء. يقول الناس إن الشرطة سجلت حالات عديدة لمفقودين، أقرَّ أهلهم أن آخر مكان قصدوه هو الحديقة."

قلتُ وأنا أتخيل نفسي في عداد المفقودين: "يا ساتر!"

- "وماذا متوقع أن تسمع غير هذا عن حديقة، تشبه غابة، تجاور قفرًا موحشًا يمتد لأميال وأميال شاسعة."

- "أتعرف أنّ نوفلًا وهو يتجول في الحديقة رأى صورة مرسومة للمسيح الدجّال على شجرة؟ وذُيِّلَتِ الرسمة بتوقيعٍ يحوي كلمات مُبهمة: الوَحَا الوَحَا، فالنَّجَاءَ النَّجَاءَ!"

فظهر بريق مخيف في عينَي رفاعة وهو يُصغي إليّ في اهتمام بالِغ، وقال: " الوَحَا الوَحَا، العَجَل العَجَل، الساعةَ الساعة! إنها عبارة مرتبطة بالشعوذة واستحضار الجن أكثر منها في الخطب والوعظ. . .!"

وقف شعر ذراعي من الخوف لسماعي تفسيره. وأكملتُ حديثي بالعروج على رواية أم بتعة والمحطة الدينية أثناء قيادتي السيارة في طريقي إلى الحديقة.

فقال وهو يُحلِّل ويجمع ويطرح: "الرسمة التي رآها نوفل والمُذَيَّلَة في أسفلها تلك العبارة، واستشعار أم بتعة أن هناك عينًا تراقبها، وراديو السيارة. . . ثم ظهور الرجل الذي اشتبهتَ به أنه المسيح الدجّال. . .!"

قلتُ وأنا أصبُّ الشاي في الفنجان وقد بدأ يضيق صدري لأن صورته تَرَاءَتْ لي مجددًا: "إنه لرجلٌ مروِّع للقلوب بِخِلْقَتِهِ وكأنه إِبْلِيسُ بعينه!"

كانت عينا رفاعة تنطقان بكلام لو أسمعني إياه لسقط قلبي في أحشائي، فحوّلتُ وجهي عنه ودخلت في حالة صمت. وصوّبتُ نظري إلى إبريق الشاي فوق المَوْقِدِ، ثم إلى الفنجان ذي البخار المتصاعد على شكل سحابة في فضاء الحجرة.

لكن رفاعة أراد مواصلة الحديث: "الحقيقة أنني لم أرتح لهيئة ذلك الرجل من خلال وصفك إياه، لاسيما حين ارتجف من الأذكار الرحمانية التي قرأتها عليه. . .!"

تفوهت بالإجابة التي أردتُ أن أسمعها منه: "لعله ممسوسٌ بِجَانٍّ!"

- "ولكن سلوكه أبعد ما يكون عن رجل مُصاب بعلَّةِ المسّ. لقد عرف بِاسْمك دون درايةٍ مُسبقة! وادعى أنه منبوذ، لا أحد يطيق الجلوس معه، دون أن ترمش له عين! وقام بتهديدك بطريقة غير مباشرة أولًا ثم مباشرة لاحقًا! وغرْغرَ عندما شككتَ به أنه الدجّال! إنها كلها آيات خبيثة مُؤذنةً بأنه إنسان غير عادي. . .! قلت لي إنه كان ضخم البنية وفي وجهه إظلام؟"

- "وما رأيتُ أفظعَ خِلقةً منه!" أجبته وأنا أنظر، في قلق، إلى عينيه الذكيتين الثاقبتين.

فأومأ برأسه مُطابقًا بين قولي وما يحبسه في صدره، فتابع يقول: "وقلت لي إن أمك كانت خائفة عليك من الذهاب إلى الحديقة قبل حتى أن تبرح بيتك ماضيًا في مغامرتك؟

- "أجل، هي لم تكن تريد أن أذهب، ولولا أن كذبتُ عليها لمنعتني من غير ريب."

- "حسنًا جدًا، إن حدس الأمهات التقيّات في محله على الدوام لو أضفنا إليه كل القرائن التي أحطنا بها علمًا."

- "وقبل خروجي من البيت أوصتني والدتي قائلة "الحذر! الحذر!"

- "وهما الكلمتان اللتان تذكرتهما ما أن رأيت الذي شككتُ به أنه ال. . ."

ازدردتُ ريقي الذي جفَّ، وأكملت ما توقف عنده: "أنه. . . المسيحُ الدجالُ!"

- "إنه المسيح الدجال، وليس في ذلك خفاء!" قال ذلك ثم نهض من مكانه، مثل نابض كهربائي، في حين سقط قلبي في أحشائي، فسألته وأنا أكاد أبكي: "أين أنت ذاهب؟"

- "دقيقة، لن أتأخر."

ثم عاد ومعه كتاب جلبه من درج سيارته المركونة أمام بيتي: "هذا كتاب استعرته من قريبي وهو عن أشراط الساعة. إنه موسوعة ضخمة. وانظر للصدفة! لقد قرأتُ البارحة الفصل الذي يتكلم بإسهابٍ عن أوصاف المسيح الدجال."

- "إيهِ. . .!" فقلت في صوت موهون مُتمنيًا في سِري أن يُمسك عن الكلام.

فقال: "من الجائز أن يكون المسيح الدجال بين ظهرانينا ونحن لا ندري، وفي أي مكان من هذا العالم: برّية مقطوعة، فلاة أو حديقة عامة شبه مهجورة. . . يا لطيف! أيْ حذيفة، يحدوني شعور أنك رأيتَ علامة كبرى قبل أوانها!"

عندئذ غشيتني رعشة باردة وعجز لساني عن الكلام، وبقيت صامتًا. أما رفاعة فأخذته الحماسة الإيمانية وتابع يقول: "الجهامة في الوجه، قراءة الأفكار، ومعرفة اسمك، والطاقة الخبيثة التي شعرت بها في حضرته. وخوفه من استعاذتك بالله منه؛ إن كل ما سبق نذر شؤم بأنه هو."

فقلت والدم تجمد في عروقي: "ولكني لا أظن أنني رأيتُ كلمة "كافر" أو "كفر" بين عينيه!"

قال وقد اتقدت عنده قريحة التحليل على قريحة العاطفة: "في مكان ناء ومظلم مثل ذلك المكان، إنّ التفاصيل الدقيقة تضيع."

ومع سماع هذا الاسْتطْراد، لم أعد أقوى حتى على ارتشاف رشْفة الشاي. أما رفاعة فأكمل حديثه المتواتر: "طالما أنك اطلعت على أمره فهو لن يتركك وليس بمستبعد أن. . .!"

فسألته بصوت يكاد يكون غير مسموع: "ليس بمستبعد ماذا؟"

ثم فتح صفحة من الكتاب الذين بين يده وكأنه نسي أنه صديقي وأنه يجب عليه مواساتي وطمأنتي بدل إخافتي: "ذُكر في الأثر أنّ رجلًا مؤمنًا يطلع على أمر الدجال، فيقوم الدجال بقتله. وأنت، كما أخبرتني، قد اطلعت على حقيقته من الوهلة الأولى وقرأت عليه ما يعصم من شره. فلما أراد قتلك ارتجف بشدة. فلعلك أنت ذلك الرجل المؤمن ويريد، لعنه الله، قتلك وهو يتتبعك الآن! عليك الاحتراس حذيفة!"

- "كفى!"

لم أرد سماع المزيد. واستوعب رفاعة أنه بخلطه المنطق بعلم الغيب إنما حطّم أمانيَّ النفسي، دون قصد، ولكي يصلح الأمر؛ قام بفتح موضوعات أخرى: منها ما هو شخصي، أمر يخصه هو، ومنها ما هو عام. طوقت ذراعيّ بركبتيّ وأسندت رأسي إليهما. فقام صديقي بجذبي إليه. وبقينا صامتَين غير آبهين بفأرة منزلية انبثقت في سرعة خاطفة، فوق سجاد المَضْيَفَةِ، من وراء الوسائد المصفوفة.

بعد أن مضى رفاعة إلى سبيله، جلست في الْمَجْلِس مع أمي أشاهد التلفزيون، رأسي على كتفها. كانت أمي مستغرقة في مشاهدة المسلسل العربي. أما أنا فبقيتُ شارد الذهن أفكر: لقد كذّبتُ نوفلًا فإذ به يصدق بكلامه. لم يكن نوفل متوهمًا. فلماذا لا أصدق استنتاج رفاعة إذن؟ وتلك الغرفة من البيت، أمعقول أن تكون مسكونة بأعظم فتنة في تاريخ البشرية من آدم، عليه السلام، إلى يوم القيامة؟ وعلى حين فجأة، تسلّل ظلٌ في الممر المؤدي إلى غرف النوم. لكأنني سمعت صوت باب أبعد غرفة يُفتح ثم يُوصد! فالتفتُ إلى أمي وكانت مستغرقة في المشاهدة. أمعقول أنها لم ترَ وتسمع شيئًا قبل قليل؟ لا بد أن عقلي يتهيأ مواقف غير حقيقية. . .

انتهت الحلقة من المسلسل، فنهضت أمي من مكانها ونظرت إليّ قائلة: "بُني، ألا تريد الذهاب إلى النوم؟"

- "سوف أبقى قليلًا يا أمي. تصبحين على خير."

لم أكن أريد مجيء وقت النوم، ولكن الوقت يمضي شئتُ أم أبيتُ.

كان الذهاب إلى غرفة نومي، بعد موقف البارحة، كمثل الذهاب إلى مغامرة خطيرة.

- "بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق."

كنتُ أرددها بهمسٍ مسموعٍ وأنا ماضٍ إلى غرفة نومي، وفي الوقت نفسه رمقتُ الغرفة البعيدة في توجس.

كنت قد أبقيتُ مصباح الغرفة مُضاءً؛ لأنّ الظَّلام أجمعُ للقُوى الشَّيطانيَّةِ من غيره. وبينما أنا مستلقٍ على السرير ناظرًا إلى المصباح المتدلي من السقْف، خُيِّلَ إليّ أنني أسمع صوتَ خطوات شخصٍ يركض في ممرات البيت! فهرعت أقفل باب غرفتي بالمفتاح. عقب ذلك انقضت ساعة ولم يحدث شيء. فاستعدت قليلًا من رباطة جأشي.

بقيتُ راقدًا في سريري محاولًا استحضار لحظات مفرحة: تذكرت أبي وأمي عندما كنتُ طفلًا وهما يأخذانِي إلى مدينة الألعاب الترفيهية. كنتُ متعلقًا جدًا بأبي، رحمه الله وغفر له. كان موُلعًا بجمع التحف الريفية القديمة، وآخر ما امتلكه شموع مصنوعة من قش مغموس في الدهن أحضرها من قرية ألمانية. أمي حريصة كل الحرص على تُحَفِهِ التراثية وتحفظها في مكان مَصون. وتذكرتُ أيضًا حين ذهبنا نحن الثلاثة، أبي وأمي وأنا، إلى البر نقطف ثمار الكمأة، كنا. . .!

انقطع حبل ذكرياتي؛ إذ انطفأ المصباح المُفرد من تلقاء نفسه! لقد نفد عمره الافتراضي في هذا اليوم تحديدًا! الظلام لفّ غرفة النوم فاستنشقت هواءً بعمق ثم زفرت ببطء قائلًا لنفسي وسط هذا العماء: "حذيفة ستكون بخير." غير أنني سرعان ما برزت الوَسْوَسَةُ على صفحة عقلي المضطرب، وتخيلتُ شماعة الملابس، في العتمة، تتجسد في هيئة شبح يطالعني! ورحتُ أتخيل، وقلبي بدأ يدق بعنف، أنني إذا أغمضتُ عينيّ ثم فتحتهما فسأرى حالًا شخصًا ينحني نحوي! وأنني سأسمع على نحو فجائي شخصًا متواريًا في ركن من أركان الغرفة وسينبس تَمْتَمَة أو آهة. . . وعلى إثر هذه التخيلات المفزِعة والتوقعات المشؤومة بدأتُ أشعر بأوجاع شتى في بدني، عيني اليسرى وكفي الأيسر وباطن قدمي الأيسر. وهذه الأوجاع كانت مشبوبة بضيق تنفس حاد. ولأن صحتي توعكت على هذا النحو المُروِع ولأحول دون أن تسوء فيدركني الموت، حركت رأسي بانتفاضة؛ كي أنفض هذه الوساوس التي توشك على إيقاف نبض قلبي. وما أنْ لمحتُ ظلًا يقف وراء الباب حتى نهضت كالبرق على ركبتيّ فوق فراشي. كانت أنفاسي الساخنة تتواتر وتوشك أن تنقطع. وبعد مرور ثوانٍ، سمعت صوت طرقٍ على الباب فكُدتُ أن أموت فعلًا!

- "اذهبْ يا مَن عليك لعْنةُ الله! اذهبْ يا مَن عليك لعْنةُ الله!"

زفرتُ بعنف وأنا أرددُ قولي.

بعد برهة من الزمن انتقل نظري، وأنا شبه أعمى، من باب الغرفة إلى باب الخزانة؛ لأنني سمعتُ صوت طقطقة صادرة عنه؛ فشعرت بقلبي وكأنه يسقط من مكانه. دثرت نفسي تحت الغطاء. وبدون مقدمات فُتح باب الخزانة من تلقاء نفسه مصدرًا صريرًا، كأن شخصًا كان مختبئًا وها قد حان وقت خروجه! فتسارعت نبضات قلبي لدرجة أنها أصبحت مسموعة في أُذني. . . ثم سمعت دبيب قدمين تقتربان شيئًا فشيئًا من سريري: فانطلق لساني: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال. . . ثم لم أعد أسمع شيئًا بعدها وإن كنتُ لا أزال أرقب على نحو محْموم ما قد يحدث. وكان الظلام والصمت مهيمنَين على الجو!

لقد استعصى عليّ الرقاد. عيناي جاحظتان على اتساعهما وأذناي تنصتان لأخفت همسة وحركة وصوت. وبقيت هكذا حتى أشرقت الشمس وحمدت الله أنني لا أزال حيًّا. لم أنهض من فراشي إلا بعد أنْ سمعتُ صوت أمي من وراء باب غرفتي لتطمئن عليّ ولأتناول معها الفطور. فتحت باب غرفتي وأنا أمشي مترنحًا، وقلت في فتور وخوَر: "صباح الخير." ثم أدرتُ رأسي إلى باب الخزانة. استجمعت ما بقي من عافيتي وشجاعتي وخطوتُ ناحيته ببطء كأنني أدنو إلى قبْرٍ. تلوتُ الْبَسْمَلَةَ قبل فتحه. . . فصرخت صرخة هزّت البيت، فركضت أمي مسرعة إليّ!

- "حذيفة، بسم الله عليك!" قالت أمي مرتعبة عليّ ومذعورة من الشيء الذي أرعبني.

أشرت بإصبعي إلى أرضية الخزانة وقد كان بها طين!

قالت أمي وهي مشوّشة: "إنه طين!"

فتهالكت على الأرض واصفر لون وجهي ولم أكن مركزًا مع أمي إلا عندما هزّتني قائلة لي: "أعِرني انتباهك حذيفة. ما معنى هذا؟"

- "إنه هو!"

- "مَن؟"

- "المسيح الدجال!"

عندئذ مسحت أمي على رأسي ووجهي تقرأ المعوذتين.

وبعد أن هدأتُ قليلًا، قلت لها: يا أماه، هل فقدتُ صوابي؟!

- "لا يا بُني، إن أعصابك مُجهدة مما حدث لا غير"، تابعت، "سوف تكون بخير"

قلتُ لها وأنا أنظر إلى الطين: "وهذا الشيء، كيف أتى إلى هنا؟!"

استنتجت أمي قائلة: "إنه بقية من طين من أثر حذاء مخضب بالطين."

- "أجل، إنه حذاؤه هو. . .! حذاء المسيح الدجال!"

لوّت أمي رأسها وشخصت ببصرها عاليًا مُطلقة زفرة عميقة، وقالت: "بُني، أنت تتوهم. إنه أثر حذائك أنت، حتى معطفك وبنطالك كانا مُخَضَّبَيْنِ بالطين."

فسألتها: "وهل من عادتي ترك حذائي في خزانة غرفتي؟ أؤكد لكِ أنني وضعته على عتبة باب الفناء، المؤدي إلى غرفة الْمَجْلِس، عندما جئتكِ هاربًا من الجنيِّ الغُول الذي ألفيته في حديقة السَّرايا."

هنا أرادت أمي أن تنتزعني من احتمال الأسوأ، فقالت: "لا ريب أنك وضعت حذاءك في الخزانة ثم أعدته إلى مكانه الصحيح. وكل هذا حصل وأنت في غمرة حالتك النفسية المتشنجة. كم من مرة شاهدتك تمشي في مجاز البيت وأنت نائم! هيا قِف على قدميك."

ثم نهضتُ وتقدمتُها ونحن خارجان من غرفتي، وأشرت بيدي إلى الغرفة في آخر الممر قائلًا: " أظنه يختبئ فيها".

لم تشأ أمي أن تقف مكتوفة الأيدي وأنا أفقد عقلي؛ فراحت بشجاعة الأم الحقيقية حين تنهار عائلتها تفتح باب الغرفة وهي تقول: "ها هي ذي الغرفة، إنها خالية! إنها ليست مسكونة إلا في رأسك يا ولدي. استفق بُني أرجوك، ولا تدع الوهم يأكلك"

عندئذ أذعنت لرأيها؛ فقد كنت أبحث عن خيط ضئيل منطقي يُرجح كفة أنني أهذي على كفة كَوْني مُستَهدفًا مِنْ الذي عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين!

بعد تلك العاصفة، أعادت أمي تسخين الطعام، وتناولت القهوة وخبزًا عليه مُسحة خفيفة من الزبدة. كانت عينا أمي مُسَمَّرَتَيْنِ عليّ وفي فمها كلام، فقالت تخاطبني: "ما رأيك لو أسأل أم بتعة أن تزورنا بعد الظهر؟"

- "تريدين إطلاعها على ما مررتُ به؟"

- "لن أخبرها بأمر ذهابك إلى الحديقة. سوف أقول لها إنك تعبان"، ثم أضافت، "أنا أشعر أن ثمة عينًا لم تصلِّ على النبي حين شاهدتك. أريد أن أعرف من أصابك بعينه الحسودة، أصاب الله تلك العين بالعمى!"

- "وكيف سوف تساعدني أم بتعة؟"

- "بِصَبِّ الرصاص."

قلت لها وإن كنتُ غير مقتنع بهذه الخزعبلات: "ليس عندي مانع."

وجاء بعد الظهر فجاءت معه أم بتعة وبتعة. وإن تسنى لي وصف أم بتعة في إيجاز، فسوف أقول إنها امرأة طيبة، لها القدرة على الخوض في مواضيع الجِد كما القدرة على الخوض في مواضيع الفكاهة. ولها القدرة، من دون حرج، على مناقشة شؤوننا الخاصة من باب التطفل الودي، وفي الوقت ذاته إن قالت أمي "آخ" كانت أول من تسعفها بالنجدة. ولأنها آلفتنا وألفناها، منذ سنين، فقد زالت الكُلفة وزادت الألفة وانقشع الرياء وزان الصدق متممًا أواصر الجيرة بين البيتين.

وبينما كنت أنتظرهم في غرفة المَجْلِس، كانوا منهمكين في المطبخ بإذابة الرصاص فوق الموقد. كانت أمي قد بسطت العباءة فوق رأسي، وبتعة تحمل الصينية التي فوقها الوعاء ذو الماء البارد.

- "يا رب يا مغيث." قالت أم بتعة وهي تسكب الرصاص المُذاب في الوعاء فتصلب تلقائيًا.

فتناولته الجارة العجوز الطيبة بلهفة لتقرأ الشكل المتصلب المتجمد، وكانت أمي آنذاك تتفرس وجه أم بتعة في قلق وخوف باديَّين.

أقلقني هذا الصمت الذي رسم علامة استفهام في رأسي، فسألتُ في صوت مرجوف: "ماذا ظهر لكم؟"

قالت أم بتعة: "الشكل يبدو مبهمًا. . ."

- " أهو رمز لشيء أم شكل عشوائي؟" سألت أمي في قلق.

- "تمهلي ثواني، يبدو لي رقمًا أو. . . حرفًا".

- "تفحصي الشكل كَرَّة أخرى" زفرت أمي في توتر ملحوظ.

- "إنه حرف أكثر منه رقم"، ثم تابعت متأكدة مما رأته بعد أن قطعت الشك باليقين مُستعينة برأي ثانٍ وهو رأي بنتها بتعة، "أرى حرف راء"

- "وماذا يعني حرف الراء؟" سألت أمي متوجسة.

- "لا معنى له بالطبع"، ردت أم بتعة بتأكيد، "سوف أذيب الرصاص مجددًا، بنتي بتعة أنتِ تناولي الصينية، وأنتِ يا أم حذيفة امسكي العباءة."

أذابت أم بتعة الرصاص وسكبته في الماء فقرأت الشكل الذي ظهر لها وابتسمت ابتسامة تنم عن خيبة أملها: "ما قصة الحروف معي؟!"

فنطق لساني فورًا: "أي حرف هذه المرة؟"

- "حرف ال. . . كأنه حرف الفاء! ولكن لا معنى لهذا أيضًا. سوف أذيبه لَعَلَّهُ يظهر لي وجه العائن الحاسد الذي أزّمَ حالنا، جازاه الله على أذاه!"

فيما كانت أم بتعة تذيب الرصاص للمرة الثالثة، التفتُ إلى أمي وكانت يدها على قلبها تترقب الشكل الذي سيظهر لها للمرة الثالثة.

- "يا لطيف! وأي حرف يأتينا ثالث صَبَّةٍ على التوالي؟"

- "ما الحرف؟" أمي هي التي سألت هذه المرة وبفارغ الصبر.

قالت أم بتعة وهي ترفع رأسها إلينا تنظر في وجوهنا: "حرف الكاف! ولكن مهلًا سوف أُعِيدُ إذابة الرصاص للمرة الرابعة."

- "لا حاجة لذلك!" قلتُ قولي وبدني يهتز ويداي ترتجفان فوق ركبتيَّ، وأنا مُوشِكٌ على السقوط على وجهي.

هرعت أمي إليّ تحتضنني وعلى وجهها علامات الحزن والخوف الشديدَين. أما أم بتعة فظلت واقفة في مكانها حائرة من هذا المشهد الذي تراه أمامها: أم وولدها يبكيان بسبب حروف أبجدية!

بدأتُ أتهجّى الحروف: "ر - ف - ك وإذا قلبناها حصلنا على: ك - ف - ر!" فقلت وقد اشتد هيجاني مع كل كلمة: "إنها حروف الفعل (كَفَرَ). إنها الحروف الدالة على وجود المسيح الدجال! الكاشفة الفاضحة له! إنه ينتظر فحسب في زاوية من زوايا البيت وتحديدًا في أبعد غرفة."

لقد أشكل كلامي على أم بتعة وإن بدت خائفة من دلالته. عندئذ رَوَتْ لها أمي الحكاية بالتفصيل. فصاحت الجارة في رعب: "الطف بنا يا رب! الآن فهمت لماذا كانت نزهتي إلى حديقة السّرايا الأولى والأخيرة! ما إن وطئتُ عشبها حتى تفطّر قلبي من الخوف! إذن هي حديقة المسيح الدجال ومَرْتَعٌه! لماذا يا قمرة تركتِ فلذة كبدكِ يذهب إلى مصيدة الأبرياء؟"

فشهقتُ مُجيبًا إياها بالنيابة عن أمي: "أنا من اضطُرَّ للكذب على أمي، لكي أذهب إلى مصيدة الأبرياء تلك. ولم أكن بريئًا كما تتصورين يا جارتنا الطيبة. إنما أنا كاذب وعاق!"

وما لبثتُ أن تركتهن ومضيتُ متممًا وجهي شطر مسجد الحارة. هذا المسجد ذو المِئْذنة متطاولة الارتفاع مُتحلية بأضواء كمنارة ويليق بتلك المِئْذنة أن تنير متألقة لو اتفق أن كان الْليْل بلا نجمة. كنت أذهب إليه مع أبي، ولَمّا مات أصبحت أذهب وحدي. حين أحس أنني في طامة ألتجأ بين زواياه لائذًا بصاحبه (ونِعْمَ بالله). إنّ أحجاره وصوْمعته وقُبّتهُ ومُلْحقهُ والمسجد نفسه من الداخل تألفني وآلفهم. ولَمّا دخلت، لم يكن في المسجد أحد من المُصلين، فمشيتُ متقدمًا فوق السجاد الناعم النظيف ومستنشقًا هواء العود والبخور الذي يعبق به فضاء المسجد، وكانت المراوح المعلقة في العواميد مُطفأة بسبب الطقس البارد. اتخذتُ المِحْراب لأخلو في فُتْحته المُضلعة، مقام الإمام، مستقبلًا القِبْلَة، شاعرًا أنني محميٌّ برعاية الله. ثم مسْت يدٌ كتفي ففزعتُ خائفًا، لكن خوفي زال ما أن رأيت الشَّيْخ بوجهه الباسم الوقور. فعرفته وعرفني على الفور. جلس إلى جانبي فأخبرته أنني مُتعب حائر. فقال لي أبياتًا مأثورة للإمام الشافعي:

يا صاحب الهمِّ إنّ الهم منفرجٌ. . . أبشر بخير فإنّ الفارج اللهُ

اليأس يقطع أحيانًا بصاحبهِ. . . لا تيأسنَّ فإنَّ الكافي اللهُ

اللهُ يُحدث بعد العُسر ميسرةً. . . لا تجزعنَّ فإنَّ القاسم اللهُ

إذا بُليت فثق بالله وارضَ بهِ. . . إنَّ الذي يكشف البلوى هو اللهُ

والله ما لك غير الله من أحد. . . فحسبك الله في كل لك الله

شعرتُ بالراحة لمرْأى الشَّيْخِ وللشعر الذي ألقاه. ووقْتما برحت المسجد كان الغسق قد حلَّ. وذهبتُ إلى المتجر؛ لشراء مِصْبَاحٍ وشموع؛ آخذًا بالحيطة لِاحتمالِ انطفاء مصباح غرفة نومي. ولأركّبَ واحدًا بدل المصباح الذي انطفأ البارحة ليلًا.

وعندما أرخى الليلُ سُدُولَهُ، كنت قد أعطيتُ أمي شمعة وأبقيتُ لنفسي شمعة، وبدّلتُ مصباحًا جديدًا. وأوصيتُ أمي بإيصاد باب غرفة نومها. ثم انسللتُ إلى غرفتي دون إمعان النظر في نهاية الممر. وقبل أن أغلق باب الغرفة بالمفتاح، فتحت أبواب الخزانة بشكٍّ وخوف؛ لأتأكد من خلو الأرضية من الطين. . . فكانت نظيفة. الحمد لله! ثم فتشتُ أسفل السرير في توتر وترقب. . . لا أحد هناك أيضًا! فزفرتُ براحة. وها أنا الآن أصبحتُ منطرحًا في فراشي ناظرًا إلى باب غرفتي المقفول، مُصغيًا مثل بُومة ليلٍ لأيِّ خطوات في البيت، وتحديدًا من ما قد يأتي من تلك الغرفة السابعة. مرت ساعة ثم ساعتان دون حصول شيء. وكانت الساعة في هذه اللحظة: الواحدة فجرًا. ولكن أنّى لي الأمان؟! أُطفئ المصباح مرة ثانية وخيّمت الظلمة! ففتحت درج خزانة السرير بيد مرتعشة؛ لأخرج شمعة وولاعة. أوقدتُ الشمعة فبدّدت السَّواد جزئيًا؛ فقد كان اشتعالها قاتمًا.

- سبحان الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.

نطقتُ بهذه الآية؛ لكي أقتبس منها نفحة إيمان شجاعة وصبر.

ثم جلستُ متربعًا فوق سريري أنظر وعيناي مفتوحتان على آخرهما. وظلّت الشمعة تحترق فوق المنضدة الجانبية حتى لفظت آخر أنفاسها وانطفأ فتيلها. فعدتُ من جديد إلى الظلام. كان جهازي العصبي يَقظًا لأي صوت مسموع وطيف مرئي وحضور شيطاني مَحْسُوسٍ. وبَغْتَةً نبض سمعي مُحولًا بصري في حركة ميكانيكية إلى مقبض باب الغرفة الذي بدأ يُدار! من هناك؟ صحتُ بِذُعر.

- "افتحْ حذيفة. . . أنا أُمّكَ!" قال صوت مَبْحُوح.

هذا ليس صوت أمي! قلت باكيًا ولم تبقَ لي غير ذرة من أعصابي. ولزمتُ سريري وتقوقعت على نفسي في الزاوية، حتى بدأ مقبض الباب يتزعزع بغلظة كاد يتداعى معه الباب! فصرخت بأعلى صوتي: إنه هو!
 
التعديل الأخير:

سُكر

نحنُ عابرون في الزمن، مقيمون في الأثر.
إنضم
26 أغسطس 2026
رقم العضوية
15306
المشاركات
1,458
مستوى التفاعل
1,223
النقاط
182
الإقامة
فلسطين
توناتي
1,595
الجنس
أنثى
LV
0
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يعطيك العافيه ش2
يعني يعجز اللسان عن التعبير من جمال ما قرأت
اول مره بجرب اقرء قصه قصيره واحلى اشي عملتو
كمية الرعب بالقصه الاندماج التأثر
بشعر الواحد نفسو بشاهد بفلم مثير للاعصاب فلم رعب
حسيت حالي عايشه مع حذيفه وتفاصيل القصه والاحداث
كان لازم يسمع كلام امو لانو الام دائما تشعر بالشيء قبل حدوثه فعلا ولم يستمع الى صديقه ايضا مع انه حدث معو نفس الشيء علاقل لو كان مصر ع هيك تجربه لو اخد معو حدا علاقل يعني
كيف ذهب لوحده وكان مستمتع بالبدايه كمية الرعب ش2
لما نادى ع اسمو فجاه وللقيه متربع وقاعدلو وقع قلبي معو حرفيا واكيد رح يضل ملاحقو واكيد في تكمله للقصه ماتحكيلي هاي النهايه هف33ش2
متى رح تكتب الجزء الثاني بدي اعرف شو بصير معو
ماتوقعت هيك نهايه
ماتمنيت تحلص القصه بدي اقرء كمان ض0
ماحسيت بالوقت وانا اقرء فيها طريقة السود الواضحه والجميله طريقة الكتابه المبدعه
الشرح والتفاصيل والأحاديث ابدعت بكتابتك بشكل فوق التقييم حبيت اختيارك لاحداث قريبه من واقعنا غير اختيارك للاحاديث
فعلا احذر الظلام تجمع للشياطين واحذرو الوحده البقاء لوحدكم
كلها اشياء لازم نحذر منها لانو ممكن نتعرض للاذى وندخل تجمع الشياطين ويصيبونا بشيء
بس بما انك كتب عن المسيح الدجال ف هيك طلعت عن الواقع محدا بشوف المسيح الدجال او شاهدو من قبل مافي هيك حوادث بس رح نعتبرها قصه خياله وللموعظه ايضا
عشان ينعلم يسمع الكلام ومايروح لاماكن مشبوهه
بالذات اماكن مقطوعه وغابه وعتمه ولوحده >قوة القلب في حدا بروح عالتهلكه بيدو فعلا الفضول وحب الاستكشاف هو سبب هلاك الانسان واكثر شيء منتشر بواقعنا وبنشوفو كثير
كثير حبيت القصه كثير استمتعت فيها واكيد رح احب اشوف مواضيعك الي مثل هيك دائما
بتمنى يكون في جزء ثاني رح اكون اول وحده بشوفو كمان من الفضول >تخيل مافي جزء ثاني من وين اجيب نهايه ض000
بساطة موضوعك من التصميم مابلغي انك كاتب رائع وكبير وتستحق قراءة قصصك ماشاءالله سلمت يداك وتفكيرك وجمال اختياراتك للكلام والسرد البسيط المفهوم
بشوفك بمواضيع اخرى اكيد ماتحرمنا من جمال كتاباتك
في امان الله ق1
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

المتواجدون في هذا الموضوع

أعلى أسفل