رواية جديدة رواية قمرية (1 زائر)


أيمن كناني

وتشاءُ أنت من الأماني نجمةً ويشاء ربّكَ أن يُناولك القمر .
إنضم
17 مارس 2020
رقم العضوية
10845
المشاركات
7,876
الحلول
1
مستوى التفاعل
33,519
النقاط
1,267
أوسمتــي
11
العمر
25
توناتي
600
الجنس
ذكر
LV
2
 
الفصل الرابع :
العنوان : أول كذبة وأول دمعة
كان الصيف حاراً ذلك العام في ذات النخيل.
حاراً بشكل غير معتاد. الشمس تبقى في السماء أطول مما ينبغي، كأنها نسيت أن تغرب. الأرض تتشقق عطشاً. النهر الصغير يضيق يوماً بعد يوم.
والأطفال... الأطفال وحدهم لا يهتمون بكل هذا.
قمرية كانت في الثالثة من عمرها وأشهر، جالسة تحت نخلة في حديقة البيت، تحفر في التراب بعصا صغيرة.
لم تكن تلعب.
كانت تفكر.
على الأقل، هكذا بدت للناظر إليها. وجهها الصغير مقطب قليلاً، عيناها البنيتان مثبتتان على الأرض أمامها، يدها تحرك العصا بإيقاع منتظم.
حفرت. حفرت. حفرت.
ثم توقفت.
نظرت إلى الحفرة الصغيرة التي صنعتها.
ثم نظرت إلى النخلة فوقها.
ثم نظرت إلى الحفرة مرة أخرى.
"سلمى!"
صوتها الصغير قطع هدوء الحديقة.
سلمى ست سنوات، شعر مبعثر، ركبتان متسختان من الركض أطلت من خلف الشجرة.
"ماذا؟"
"تعالي انظري."
اقتربت سلمى، نظرت إلى الحفرة الصغيرة.
"وماذا في هذا؟"
"النخلة..." قالت قمرية ببطء، كأنها تختبر فكرة وهي تنطقها. "جذورها تحت الأرض. أطول مما نرى فوقها."
نظرت سلمى إلى النخلة الطويلة، ثم إلى الحفرة الصغيرة.
"وماذا تريدين أن تفعلي؟"
"أريد أن أرى الجذور."
صمتت سلمى لحظة.
ثم قالت بمنطق الأخت الكبيرة الذي لا يقبل النقاش:
"لا تستطيعين. الجذور عميقة جداً. ستحفرين حتى تبلغي الثلاثين ولن تصلي."
قمرية نظرت إلى الحفرة. نظرت إلى النخلة.
"حسناً."
رمت العصا.
وقفت، ومضت إلى داخل البيت.
سلمى بقيت واقفة، تنظر خلفها.
"إلى أين؟"
"إلى أبي. سأسأله."
حارث كان في غرفة صغيرة جانبية يكتب.
الغرفة كانت متواضعة طاولة خشبية، كرسي، رف بسيط عليه بضعة لفائف ورق. لم يكن مكتبة فخمة. كانت المكان الوحيد في البيت حيث يجلس حارث وحده أحياناً، يفكر ويكتب حسابات القرية وقراراته.
دخلت قمرية دون أن تطرق.
لم تكن تعرف بعد أن الطرق على الأبواب أدب واجب.
"أبي."
رفع حارث رأسه من الورقة.
"قمرية؟ ماذا تريدين؟"
"لماذا الجذور تحت الأرض؟"
توقف قلمه.
نظر إلى ابنته الصغيرة الواقفة أمامه بجدية تامة، وجهها المقطب لا يزال يحمل أثر التفكير العميق.
وضع القلم.
"تعالي."
أجلسها على ركبته.
"الجذور تحت الأرض لأن الأرض تحمل الغذاء والماء. النخلة تضرب جذورها عميقاً لتصل إلى الماء البعيد. هكذا تبقى حية في الصيف الحار."
قمرية أومأت ببطء.
"إذن... كلما كانت الشجرة أطول فوق الأرض..."
"كلما كانت جذورها أعمق تحتها. نعم."
صمتت قمرية.
ثم قالت بصوت خافت، كأنها تقول شيئاً لنفسها أكثر مما تقوله لأبيها:
"مثل الناس."
توقف حارث.
"ماذا قلتِ؟"
نظرت إليه.
"الناس الطيبون... الذين يساعدون كثيراً... ربما لديهم ألم كبير في داخلهم. جذور عميقة لا نراها."
الغرفة صارت هادئة.
حارث نظر إلى ابنته ثلاث سنوات وبضعة أشهر.
لم يجب.
فقط أمسكها بقوة، وضغطها إلى صدره.
"من أين جئتِ يا قمرية؟" همس.
لم تفهم السؤال.
لكنها شعرت بدفء أبيها، وابتسمت.
في نفس الصيف الحار، في وادي الحجر.
الحر هناك كان أقسى.
لأن وادي الحجر لم يكن فيه نخل كثير يظلل. ولا نهر يمر بقربه. فقط حجارة تختزن حرارة الشمس وترميها في الليل أيضاً.
سعد في الثالثة وأشهر، جالس أمام باب الكوخ، ينظر إلى الطريق.
كان ينتظر زينب.
ذهبت صباحاً إلى السوق لتبادل بعض الحطب مقابل طعام. وعادةً تعود قبل الظهر.
لكن الظهر مضى.
وجاء العصر.
وزينب لم تعد.
سعد لم يتحرك من مكانه.
لم يبكِ. لم يصرخ. لم يركض في الطريق يبحث عنها.
فقط جلس. وانتظر. وفكر.
في رأسه الصغير كانت تدور حسابات بسيطة لطفل في سنه:
السوق بعيد بمسافة كذا. ذهبت في الصباح. إذا عادت الآن... إذا تأخرت أكثر...
لم يكمل الحساب لأن صوتاً جاء من آخر الطريق.
زينب.
تمشي ببطء أكثر من المعتاد. ظهرها منحني أكثر. يدها اليسرى تضغط على خاصرتها.
وقف سعد.
لم يركض نحوها لم يكن من طبعه الركض نحو أحد بشكل عام. لكنه اقترب ببطء، ينظر.
وجهها متعب. أكثر من تعب المشي.
"زينب."
"أنا هنا يا سعد." ابتسمت ابتسامة متعبة. "اعتذر عن التأخر."
"هل أنتِ بخير؟"
توقفت. نظرت إليه.
طفل في الثالثة لا يسأل "ماذا اشتريتِ؟" ولا "هل أحضرتِ طعاماً؟"
يسأل "هل أنتِ بخير؟"
"بخير يا صغيري."
لكن سعد لاحظ أنها لم تنظر إليه وهي تقول ذلك.
نظرت إلى الأرض.
دخل رأسه الصغير في صمت.
وفي داخله، بدون أن يفهم لماذا تماماً، عرف شيئاً واحداً:
زينب كذبت.
في الليل، بعد أن أكلا ما أحضرته قليل من الخبز الجاف وبعض التمر جلسا أمام الموقد.
زينب تنظر إلى النار.
سعد يراقبها.
"زينب."
"نعم؟"
"ما الذي حدث في السوق؟"
صمتت.
"لا شيء. تأخرت فقط."
سعد لم يجب.
فقط استمر في النظر إليها.
وزينب التي عاشت سبعين سنة وتعلمت أن الصمت أحياناً أثقل من الكلام شعرت بثقل تلك النظرة الصغيرة.
تنهدت.
"سقطت في الطريق يا سعد. ركبتي. ليس أمراً كبيراً."
"أرني."
"ماذا؟"
"ركبتك. أرني."
تردد زينب.
ثم كشفت عن ركبتها ببطء.
الجرح كان أكبر مما توقع سعد. ليس خدشاً صغيراً. سقطة حقيقية على الحجارة. الدم جفّ لكن الجرح لا يزال أحمر.
نظر سعد إلى الجرح.
ثم نظر إلى وجه زينب.
في وجهها كان هناك شيء لم يكن الألم فقط. كان هناك... خجل؟ خوف؟
"لماذا أخفيتِ عني؟"
"لأنك صغير. لا تحتاج أن تقلق."
"أنا لا أقلق." قال سعد. "أنا أفكر."
لم تفهم زينب الفرق. لكن سعد كان يعرفه جيداً في داخله.
القلق هو أن تخاف دون أن تفعل شيئاً.
والتفكير هو أن تجد ما يجب فعله.
قام سعد. ذهب إلى الزاوية حيث تحفظ زينب أعشابها الطبية. أشياء علّمته إياها منذ أشهر هذا للجروح، هذا للحمى، هذا للألم.
أخذ العشبة الصحيحة. سحقها بين حجرين صغيرين. أضاف قليلاً من الماء.
عاد إلى زينب.
وضع الخليط على جرحها بيديه الصغيرتين.
زينب لم تتحرك.
فقط نظرت إليه. إلى هذا الطفل في الثالثة الذي يضمد جرحها بيدين لا تزالان بحجم يدي طفل صغير لكن تتحركان بهدوء يشبه هدوء رجل عجوز يعرف ما يفعله.
"سعد..."
"لا تتحركي."
انتهى.
نظر إلى عمله. أومأ برأسه كأنه يوافق على نتيجة.
ثم نظر إلى وجهها.
"في المرة القادمة... أخبريني."
"لكنك..."
"في المرة القادمة. أخبريني."
صمتت زينب.
ثم قالت بصوت خفيض جداً، خفيض حتى كادت لا تسمع نفسها:
"حسناً."
وفي تلك اللحظة طفل في الثالثة يضمد جرح عجوز في السبعين انعكس شيء ما. كأن الأدوار تبدلت للحظة، وسعد صار هو الحارس، وزينب هي المحمية.
لكن الليل لم ينتهِ بهذا الهدوء.
بعد أن نامت زينب، جلس سعد وحده أمام الموقد المحتضر.
النار تخبو. الجمر يتحول إلى رماد.
وفي رأسه كان يدور سؤال لم يستطع أن يتركه.
زينب كذبت.
قالت "بخير" وهي لم تكن بخير.
لماذا؟
فكّر.
فكّر بطريقته الخاصة ليس كما يفكر الأطفال بأسئلة عشوائية، بل بطريقة تشبه الحجارة تُرتب فوق بعضها: هذا السبب يؤدي إلى هذا، وهذا يؤدي إلى هذا.
لماذا يكذب الناس؟
إما لأنهم يريدون إخفاء شيء.
أو لأنهم يريدون حماية شيء.
زينب لا تريد إخفاء شيء هي لا تملك ما تخفيه.
إذن... أرادت حمايته هو.
أرادت ألا يقلق.
أرادت ألا يخاف.
جلس سعد بهذا الفهم الجديد وهو يحدق في الجمر.
ثم جاءه سؤال آخر، أثقل من الأول:
إذا كانت زينب تكذب لحمايته...
فهل سيأتي يوم تكذب عليه بكذبة أكبر؟
بكذبة حقيقية؟
ولم يستطع الإجابة.
وللمرة الأولى في حياته القصيرة، شعر سعد بشيء لم يعرف اسمه بعد.
شيء بارد في صدره.
شيء يشبه الخوف، لكنه ليس الخوف من شيء يراه.
بل الخوف من شيء لا يستطيع رؤيته بعد.
في ذات النخيل، في نفس الليلة.
كانت قمرية مستيقظة أيضاً.
لكن لسبب مختلف تماماً.
كانت مستيقظة لأنها فعلت شيئاً سيئاً.
في المساء، حين كانت نورة تعد الطعام، رأت قمرية على الرف العالي الرف الذي تحفظ فيه نورة إبرها وخيوطها وأشياءها الدقيقة الصغيرة رأت شيئاً لامعاً.
حجر صغير أخضر، ملساء، يلمع كأنه يحمل قطعة من السماء.
كان الحجر هدية قديمة لنورة من حارث.
لم تكن قمرية تعرف هذا.
رأت فقط شيئاً جميلاً. ومدت يدها وأخذته.
حين سألتها نورة في العشاء "هل رأيتِ حجري الأخضر؟ أبحث عنه منذ الظهر"، قالت قمرية بسرعة، دون أن تفكر:
"لا."
ثم صمتت.
وحين نامت سلمى وعادل، وخرج حارث ليتحقق من القرية قبل النوم كعادته، جلست قمرية في فراشها وأمسكت الحجر الأخضر في يدها.
وشعرت بشيء غريب في بطنها.
شيء ثقيل. غير مريح.
لم تكن تعرف اسمه.
لكننا نعرفه نحن.
كان الذنب.
ظلت مستيقظة وقتاً طويلاً.
تنظر إلى الحجر في يدها.
جميل. بارد. يلمع حتى في ضوء القمر الخافت الداخل من النافذة الصغيرة.
لماذا أخذته؟
لأنه جميل.
لماذا كذبت؟
لأنها... خافت؟
من ماذا؟
من أن تأخذه منها أمها.
لكن لماذا يجب أن تبقيه؟ إنه ليس لها.
دارت هذه الأفكار في رأسها الصغير دون توقف. مثل ماء يدور في جرة.
ثم، فجأة، قامت.
مشت في الظلام بهدوء حتى لا توقظ سلمى النائمة بعمق إلى غرفة والديها.
الباب كان موارباً.
أطلت.
أمها كانت نائمة. وجهها هادئ في النوم، شعرها منتشر على الوسادة.
قمرية دخلت ببطء شديد.
اقتربت من الجانب حيث كانت نورة نائمة.
وضعت الحجر الأخضر بصمت على الأرض بجانب الفراش. حيث ستراه أمها أول شيء حين تستيقظ.
ثم عادت إلى غرفتها.
وفي فراشها، تحت الغطاء الصوفي، شعرت بأن ذلك الثقل في بطنها خف قليلاً.
ليس كل الثقل.
لأن الحجر عاد، لكن الكذبة بقيت.
قالت "لا" حين كان الصواب "نعم."
وهذا لا يُمحى بمجرد إعادة الحجر.
في الصباح، حين وجدت نورة الحجر بجانب فراشها، نظرت حوله بحيرة.
ثم نظرت إلى قمرية التي كانت تأكل خبزها على المائدة بهدوء مصطنع.
لم تقل نورة شيئاً.
لكنها بعد الإفطار، حين خرج الآخرون، جلست أمام ابنتها.
"قمرية."
"نعم أمي."
"هل تريدين أن تخبريني بشيء؟"
صمت.
عيون قمرية البنيتان نظرتا إلى وجه أمها.
وبشيء في وجه نورة ليس غضباً، ليس تهديداً، فقط... هدوء يشبه الانتظار شعرت قمرية أن الكذبة الثانية ستكون أصعب من الأولى.
"أنا أخذت الحجر."
"متى؟"
"أمس. رأيته في الرف. كان جميلاً."
"وحين سألتك؟"
طال الصمت.
"قلت لا."
نورة لم تغضب. لم ترفع صوتها.
فقط نظرت إلى ابنتها نظرة طويلة.
"هل تعرفين لماذا هذا الحجر مهم لي؟"
أومأت قمرية بالنفي.
"أبوك أعطاني إياه في السنة الأولى من زواجنا. كنا فقيرين جداً آنذاك. لم يكن يملك ما يشتريه هدية. فذهب إلى النهر وبحث لساعات حتى وجد هذا الحجر. قال لي: وجدت أجمل شيء في النهر ليعيش في بيتنا."
قمرية نظرت إلى الحجر في يد أمها.
شيء ما تغير في نظرتها إليه.
لم يعد مجرد شيء جميل لامع.
صار يحمل قصة.
"أنا آسفة أمي."
"أعرف."
"لن أكذب مرة أخرى."
نظرت إليها نورة.
"قمرية، الجميع يكذب أحياناً. حتى الناس الطيبون. المهم ليس ألا تكذبي أبداً. المهم أن تعرفي كيف تشعرين حين تكذبين."
"شعرت بشيء ثقيل في بطني."
"هذا الضمير. احتفظي بهذا الشعور. هذا أثمن شيء تملكينه."
ليست نهاية الفصل بعد.
بقي مشهد واحد.
في ذلك اليوم بعد الظهر، جاء رجل إلى بيت حارث.
رجل في الخمسين، وجه أسمر منهك، ملابس بسيطة مرقعة.
اسمه جابر. فلاح من الجهة الشرقية من القرية.
كان يبكي.
ليس بكاء خافتاً مهذباً. بكاء حقيقياً، محرجاً، بكاء رجل لم يبكِ منذ سنوات وفجأة لم يعد يستطيع الإمساك بنفسه.
قمرية كانت تلعب في الحديقة. سمعته. رأته من بعيد يدخل إلى أبيها.
لم تتبعه كانت تعرف أن هناك حدوداً لا تتجاوزها حتى هي.
لكنها جلست قريبة من النافذة المفتوحة.
واستمعت.
سمعت أجزاء متقطعة: "...محصول كامل... الجراد... لا أملك ما يأكله الأطفال... لا أعرف كيف..."
ثم صوت أبيها، هادئاً، يسأل أسئلة. ثم صمت. ثم صوت أبيها يعطي أوامر لشاكر.
بعد وقت، خرج جابر.
وجهه كان مختلفاً. لم يكن سعيداً كانت مشاكله لا تزال موجودة. لكن ذلك الانكسار الكامل اختفى. كأن أحداً قال له: أنت لست وحدك في هذا.
قمرية نظرت إليه وهو يمشي في الطريق.
ثم نظرت إلى الباب حيث كان أبوها يقف.
حارث لاحظها. أومأ لها أن تتعال.
اقتربت.
"سمعتِ؟"
"بعض الكلام."
"جابر فقد محصوله كله. أسرته جائعة."
"هل ستساعده؟"
"شاكر يحمل إليه الآن من مخزوننا ما يكفيهم الشهر."
قمرية نظرت في اتجاه جابر البعيد.
"لكن بعد شهر؟"
توقف حارث.
نظر إلى ابنته.
"بعد شهر سنفكر في بعد شهر."
"لكن لو أعطيناه بذوراً الآن يزرعها... لن يحتاج في الشهر القادم أن يأتي يبكي."
صمت طويل.
قال حارث ببطء: "عندكِ حق."
"أعرف."
ثم مضت إلى الحديقة تكمل لعبها.
وحارث بقي واقفاً ينظر خلفها.
ثم استدار ونادى شاكر.
"شاكر. أضف للحمل بذوراً للزراعة."
"سيدي؟"
"قمرية قالت."
في نفس الوقت، في وادي الحجر، جلس سعد مع زينب تحت ظل الكوخ.
زينب كانت تعلمه الأعشاب تسمياتها، أشكالها، استخداماتها.
"هذه للحمى. هذه للجروح. هذه..."
"زينب."
"نعم؟"
"هل ستموتين؟"
توقفت زينب.
الهواء الساخن حول الكوخ صار أثقل فجأة.
نظرت إلى سعد. جالس أمامها بعيون هادئة تماماً. لا بكاء. لا ارتعاش. فقط سؤال.
"يوماً ما. نعم. كل الناس يموتون."
"متى؟"
"لا أعرف."
"لكن أنتِ كبيرة."
"نعم."
"أكبر من بقية الجدات في القرية."
"ربما."
"ركبتك تؤلمك."
"أحياناً."
"وظهرك."
"سعد..."
"وتتعبين بسرعة أكثر من قبل."
صمتت زينب.
وسعد نظر إليها بتلك العيون الداكنة الهادئة التي تشبه عيون من يعرف أكثر مما يقول.
"إذا متِّ... ماذا يحدث لي؟"
السؤال خرج بسيطاً. مباشراً. بلا درامية.
مثل سؤال طفل يسأل عن الطقس غداً.
لكن ثقله كان كالحجارة.
زينب فتحت فمها. أغلقته. فتحته مرة أخرى.
ماذا تقول لطفل في الثالثة يسألك هذا السؤال؟
لا تكذبي عليه. قررت.
لا تكذبي عليه.
"لا أعرف يا سعد."
"لن يأخذني أحد؟"
"ربما... بعض العائلات في القرية"
"لن يأخذني أحد." قال سعد. ليس بمرارة. كتقرير واقع. "أنا أعرف. أنا يتيم. الناس لا يريدون أطفال الآخرين."
"سعد"
"لكن هذا لا يهم."
"ماذا تعني؟"
نظر إليها.
"سأكبر بسرعة."
"أنت بعد في الثالثة"
"سأكبر بسرعة." كرر، بنبرة ليست عناداً ولا تمنياً. كانت نبرة قرار. "وقبل أن تموتي... سأكون قادراً على الاعتناء بنفسي. لن تقلقي."
زينب حدقت في هذا الطفل.
الطفل الذي لم يبكِ حين قرر أنه سيكبر بسرعة لأنه لا يملك رفاهية الوقت.
ثم، لأول مرة منذ سنوات طويلة، بكت زينب.
ليس من الحزن وحده.
بل من شيء أصعب من الحزن.
من حنان مؤلم نحو طفل اضطر أن يكون حكيماً قبل أن ينهي عامه الثالث.
وسعد الذي لم يبكِ مد يده الصغيرة ومسح دموعها.
كما فعل الليلة الماضية مع جرحها.
بهدوء. بثقة. كمن يعرف ما يجب فعله.
في ذات النخيل، نامت قمرية تلك الليلة وهي تمسك يد سلمى.
شعرت لأول مرة بشكل حقيقي أن الحب يؤلم أحياناً. أن تحب شيئاً يعني أن تخاف على فقدانه.
لم تكن تعرف كيف تسمي هذا الشعور.
لكنها أمسكت يد أختها أقوى.
في وادي الحجر، نام سعد وظهره إلى الحائط، يواجه الباب.
عادة جديدة بدأها تلك الليلة.
لم يكن يعرف لماذا بالضبط.
لكنه شعر أن من يواجه الباب... يرى ما يأتي قبل أن يصل.

[نهاية الفصل الرابع]
 

المتواجدون في هذا الموضوع

المواضيع المتشابهة

أعلى أسفل