بصراحة توقفت عند عنوان الموضوع قبل أن أبدأ بالقراءة لأن سؤال لماذا يحاكم الضحية بشدة تفوق الجاني وجرمه؟ من الأسئلة التي تحمل خلفها الكثير من الألم وكلما قرأت ما كتبت شعرت أن الموضوع ليس مجرد نقاش نظري بالنسبة لك وإنما شيء عايشت أثره ورأيته أمامك ولهذا أعتقد أن طرحك له يحتاج منا أن نتعامل معه بكل احترام وهدوء أول شيء أريد قوله الضحية ليست مطالبة بإثبات أنها ضحية حتى تستحق التعاطف
وهذه بالنسبة لي أهم نقطة في الموضوع كله عندما يحدث اعتداء أو ظلم من الطبيعي أن يكون السؤال الأول من الذي ارتكب الفعل؟
ولماذا ارتكبه؟ وكيف يمكن إيقافه ومنع تكراره؟ لكن الغريب أن بعض الناس يقلبون المعادلة تماما فيبدأون باستجواب الشخص الذي تعرض للأذى
لماذا كنت هناك؟
لماذا وثقت به؟
لماذا لم تتكلم؟
لماذا لم تدافع عن نفسك؟
لماذا لم تكتشف الأمر مبكرا؟
وكأن الضحية أصبحت فجأة هي المتهمة وكأن عليها أن تقدم ملف كامل يثبت أنها لم تخطئ في أي تصرف حتى يسمح لها الآخرون بالتعاطف معها
بينما السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط كل هذه الأسئلة هو لماذا اعتدى الجاني من الأساس؟
هذا لا يعني أن الظروف المحيطة بالحادثة لا يمكن مناقشتها ولا يعني أن التعلم من الأخطاء أو معرفة كيفية حماية النفس أمر غير مهم لكن هناك فرق كبير بين أن نساعد الإنسان على فهم ما حدث وحمايته في المستقبل وبين أن نحمله مسؤولية الجريمة التي ارتكبها شخص آخر بحقه
وهنا أعتقد أن بعض الناس يخلطون بين الأمرين قد تقول لشخص تعرض للأذى في المستقبل حاول أن تنتبه أكثر وتحمي نفسك
وهذه نصيحة قد تكون بدافع الخوف والمحبة لكن أن تقول له أنت السبب لأنك وثقت أو لأنك كنت في المكان الفلاني أو لأنك لم تتصرف بالطريقة التي أراها صحيحة فهنا تحولت النصيحة إلى لوم والفرق بين الاثنين كبير جدا وأكثر ما آلمني في قصتك هو موقف الأم
أتفهم تماما لماذا كان الأمر مؤلم بالنسبة لك خصوصا أنك كنت قريب من الضحية وتشعر تجاهها بهذا القدر من المحبة أعتقد أن أصعب شيء على الإنسان ليس فقط أن يتعرض للأذى وإنما يبحث عن الأمان في الأشخاص الذين يفترض أن يكونوا سند له ثم يجد نفسه أمام اللوم والعقاب بدل الاحتواء والحماية
فأحيانا الجرح الأول يأتي من الجاني لكن الجرح الثاني يأتي من ردة فعل المحيطين بالضحية وقد يكون الجرح الثاني مؤلم جدا لأنه يأتي من أشخاص كان الإنسان يتوقع منهم أن يقولوا له نحن معك أنت لست وحدك وما حدث ليس ذنبك بدلا من أن يشعر بأنه أصبح عبئ أو مصدر عار أو مشكلة يجب إخفاؤها
وأعتقد أن اعتراف الأم بعد سنوات بأنها لم تكن واعية بما يكفي لأنها كانت تخوض تجربة الأمومة لأول مرة يضيف جانب إنساني آخر للقصة قد يفسر تصرفها لكنه لا يمحو أثره على الضحية وهنا أرى فرق مهم بين فهم سبب تصرف الشخص وبين تبرير التصرف
قد نفهم أن الأم لم تكن تعرف كيف تتعامل مع الموقف أو أنها تصرفت بدافع الخوف أو الجهل أو الصدمة لكن هذا لا يعني أن ما حدث لم يكن مؤلم أو أن أثره يختفي بمجرد معرفة السبب
والجميل في كلامك أنك لم تختصر الأمر في كراهية الأم أو إصدار حكم نهائي عليها بل أشرت إلى أنها اعترفت بخطئها بعد مرور السنوات وهذا في حد ذاته أمر مهم فالاعتراف بالخطأ لا يغير الماضي لكنه قد يكون بداية لمحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه
أما عن سؤالك هل هذا جزء من طبيعتنا كبشر؟ أعتقد أن الإنسان أحيانا يبحث عن تفسير يعطيه شعور بالسيطرة على الأحداث لأن الاعتراف بأن شخص قد يتعرض للأذى دون أن يكون قادر على توقعه أو منعه أمر مخيف جدا لذلك قد يحاول البعض إقناع نفسه بأن الضحية كان بإمكانها فعل شيء مختلف وكأن هذا يمنحه شعور زائف بالأمان ليس كل شيء يمكن توقعه وليس كل شخص سيئ يظهر لك من اللحظة الأولى والثقة بالآخرين ليست جريمة وعدم معرفة الإنسان بنوايا شخص آخر لا يجعله مسؤول عن أفعال ذلك الشخص
وأحيانا تكون المشكلة أيضا أن المجتمع يهتم كثيرًا بـ ماذا سيقول الناس؟ فيتحول الخوف من كلام الآخرين إلى سبب يجعل بعض العائلات تفضل الصمت على مواجهة المشكلة وهنا تصبح الضحية وكأنها المشكلة التي يجب إخفاؤها بدل أن يكون المعتدي هو الشخص الذي يجب إيقافه ومحاسبته
وهذا أمر مؤلم جدًا
أما سؤالك عن كيف يمكن أن نناقش المشكلة دون لوم الضحية؟ فأعتقد أن أول خطوة هي أن نستمع قبل أن نحكم عندما يخبرنا شخص بأنه تعرض للأذى ربما لا يحتاج منا في تلك اللحظة إلى تحقيق كامل ولا إلى قائمة طويلة من الأخطاء التي ارتكبها ربما يحتاج فقط إلى شخص يقول له
"أنا مصدق شعورك وأنا بجانبك وما حدث لك لا يقلل من قيمتك."
وبعد أن يشعر بالأمان يمكن حينها الحديث عن كيفية التعامل مع المستقبل وكيف يحمي نفسه وكيف يتجاوز التجربة وما الذي يمكن تعلمه منها
لكن يجب أن يأتي ذلك من باب المساندة وليس الإدانة
وبالنسبة لسؤالك الأخير هل يمكن أن تكون العائلة سبب في هدم الإنسان أكثر من مساعدته؟ للأسف نعم
العائلة يمكن أن تكون أعظم مصدر للأمان لكنها عندما تتعامل بطريقة خاطئة مع ألم أحد أفرادها قد تصبح مصدر عميق للجرح
والإنسان لا يحتاج دائما إلى عائلة مثالية لأن الكمال غير موجود لكنه يحتاج إلى عائلة تستطيع أن تعترف عندما تخطئ وتعتذر عندما تؤذي وتحاول أن تتعلم والأهم من ذلك أن تجعل الشخص يشعر أنه ليس وحده وأعتقد أن أجمل شيء يمكن أن تقدمه العائلة لشخص تعرض للأذى هو ألا تجعله يشعر بأن عليه أن يخجل من كونه ضحية
وأخيرا أحببت جدا أنك قلت إنك تعتبر أعضاء التون إخوة لك وأنك طرحت الموضوع رغبة في أن نستفيد ونفيد غيرنا وأعتقد أن هذه المواضيع تحديدا تستحق أن تناقش لأنها تفتح أعيننا على أشياء قد نمارسها دون أن ندرك حجم أثرها على الآخرين
وأتمنى من قلبي أن تكون السنوات التي مرت قد خففت شيئا من أثر هذه الحادثة عليك وعلى الشخص العزيز عليك وأن تكون الضحية اليوم في مكان أكثر أمان وطمأنينة ولا تلوم نفسك لأنك تأثرت بما حدث حتى بعد سنوات بعض المواقف لا تنتهي بمجرد انتهاء الحادثة وإنما تبقى آثارها في الذاكرة خصوصا عندما نرى شخص نحبه يتعرض للظلم ولا نستطيع أن ننسى ما حدث
موضوعك مؤلم لكنه مهم جدا وأشكرك على الثقة التي جعلتك تفتح هذا الباب للنقاش رغم حساسيته
وأتركك بجملة أؤمن أنها تختصر الكثير مما أردت قوله
لا تجعلوا الضحية تقضي حياتها في إثبات أنها لم تكن تستحق ما حدث لها بينما يتهرب الجاني من السؤال الأهم لماذا فعلت ذلك؟
يعطيك ألف عافية على هذا الطرح الإنساني وأتمنى أن تكون الردود هنا مساحة آمنة للجميع لا للحكم على تجارب الآخرين وإنما لفهمها والتعلم منها
دمت بخير وطمأنينة وحفظ الله قلوبكم جميعا من كل أذى وجبر الله خاطر كل شخص مرّ بتجربة جعلته يشعر يوما بأنه وحيد أو غير مُصدّق
جزاك الله خيرا على هذا الطرح وبارك فيك وفي أمان الله ورعايته.
.gif)