فخر الروايات ڪآن لُِمجٍرٍدِ إضآعٍة آلُِوُقٌت (1 زائر)


Shine

Life
إنضم
28 يونيو 2020
رقم العضوية
11248
المشاركات
6,880
مستوى التفاعل
35,024
النقاط
1,568
أوسمتــي
13
توناتي
5
الجنس
أنثى
LV
3
 
at_176705349618322.png

at_172259249108142.png

YAFA - DECEMBER
at_176705349622323.png

الفصل السابع و الأربعين :"رد الجميل"

-
{ بنبرة هادئة و بينما يعبثُ بقماشِ الأريكة نظر في عينيها ثم قال :


"شرعت المنظمة التي تعمل تحت إمرة ناثانيل بتجهيز أسماءٍ كثيرةٍ لتوضع على لائحةِ الاغتيالات . قادة المنظمة بدأوا يتوسعون في الوصول إلى الخونة و العملاء لأجل التخلص منهم. المرحلة الحاسمة بدأت عندما تفاجئنا بظهورِ أسماءٍ تعمل تحت إمرتنا في تلك اللوائح. لم يكن الأمر غير متوقعٍ بل كان المستقبل الظاهر و لكن ليس بالسرعة التي حدث بها" }

-

ضغطتْ دارينا سماعةَ الهاتف على أذنها. الترقبُ ظاهرٌ على وجهها و هي تسمعُ رنينَ المكالمة. بحركةٍ معتادةٍ أثناء التفكيرو بأصابعها بدأت تحف شفتيها التي تتقشر بسرعة , لحظت تلطخ أطراف أصابعها بصبغة الحمرة القانية التي وضعتها مسبقًا. زفرت بضيق ثم نظرتْ للساعة التي تشير للسابعة صباحًا. يومٌ حافلٌ قد بدأ و لم تحصل بعد على دقيقة للنوم.

"آلو ؟"

- ميرنا !


هتفت دارينا و قد انفرجتْ أساريرها أخيرًا .

"أوه داري , هل تتصلين لأجلِ طلبكِ السابق ؟"

- أجل


أجابتها دارينا و هي تومئ , ثم أتبعت بنبرةٍ هادئة و هي تنظرُ لباب غرفتها المغلق ..

- حسنًا , أرجو بأنها أخبارٌ سارّة؟

"ليسَ حقًا , أنتِ تعلمين بأن جميعَ الأركان الآن تعاني بسبب مراقبة خط التواصل السلكي و اللاسلكي من قبل العدو . ليسَ و كأنهم قادرون على التقاط جميعِ خطوط الاتصال و لكن قلَّ التنسيق بشكل ملحوظٍ بين القادات و الحركات الرئيسية في تنظيمنا. كما أنني أظن بانكِ أكثر من يعلمُ بما يحدثُ في غرف جمع المعلومات التابعة لنا"


عقدت دارينا حاجبيها ثم وقفتْ لتتكئ على طاولة المكتب تراقب ما خارجَ النافذة و عيناها تظهر الحدّة.

- لم أتوقع أن تسير الأمور على تلك الشاكلة. الكثير من الناس ذوي خلفية معروفة و غير معروفة يطلبونَ و بشكلٍ كثيفٍ تقديم المعلومات لهانسز . لقد استقبلتُ تقاريرًا من الفروع التابعة لي و أغلب المعلومات التي قدّمت إما مناقضة أو ناسفة للمعلومات التي تقدم هنا. الكثير منها موجّه بهدف التشتيت.

نقلتْ سماعة الهاتف لاذنها الأخرى لتستخدم يمناها في تقليبِ أوراق التقارير التي كانت تقارنها للتو. ضيقت عينيها و هي تستمع بحذر لردِّ ميرنا العمليّ الذي اعتدات سماعهُ في لحظاتٍ كهذه عبر الهاتف "أجل , جميعُ فروعنا في البلاد تتعرض لنفس المشكلة . العائق الأكبر أن التواصل مع قصر سعادة رئيس الوزراء قد تم قطعه."

صمتت قليلًا تزفرُ بضيق .

سمعت دارينا صوتَ نقراتٍ واضحة قادمة من طرفها ثم أعادت انتباهها لصوتها الذي أكمل"المركزُ الرئيسي في حالة توتر شديدة إنه يعصفُ بالأخبار الكاذبة و التقارير التي بالكاد تجمع يجبُ علينا تنبؤ ما يجبُ فعله بناءً على المعلومات التي لدينا ".

- هل الوضعُ سيءٌ إلى هذه الدرجة ؟ لم تأتوا بالحل بعد ؟

"بل وجدنا حلًّا و لكننا ما زلنا في طورِ دراسةِ فوائده و مخاطره"


ابتسمتْ دارينا بارتياح , إذًا كان ذلك مجردَ تعبيرٍ عن القلق.

-إذًا ؟ ماذا عن الذي طلبته؟

"آه أجل"


سمعت دارينا صوتَ أوراقٍ تُقلَّب , ثم عادَت ميرنا بنبرتها المقتضبة المركزة "لقدْ استطعتُ الوصولَ إلى القليلِ من المعلومات منها أن القصرَ ما زال محاصرًا من قبلهم .. لم يتم أذيَّة أيِّ أحد الجميعُ بخير, و لكن.."

صمتٌ ثقيلٌ دبَّ الرعب في قلبِ دارينا. داخلها لم تكنْ حقًّا تبحثُ عن هذه المعلوماتْ لأجل الآنسة هارلين فقط, بل بصفتها شخصًا يعرف الكونت كلاوثياردْ معرفةً وثيقة أن تسمع ما ستقوله ميرنا كان صعبًا حقًّأ . قبضت يدها بقوةٍ على المكتب و كلماتُ ميرنا التي اهتزت قليلًا أثناء إخبارها بما يلي اخترقت أذنها "تم أسره و سحبهُ خارجَ مقاطعته".

استطاعت دارينا أن تسمع دقات قلبها القوية في منتصف أذنها. ابتلعت ريقها بصعوبة , و هي تشكرُ ميرنا على المعلوماتش التي أتت بها.

- على الأقل أن نعرف بالأمر مبكرًا أهون من أن نُصدم به لاحقًا.

تخللت أصابعها في شعرها تُرجعه للوراء قليلًا . أخذت نفسًا ثم أتبعت : أشكركِ.

"بالطبع."
قالتْ ميرنا بنبرةٍ ثابتة , لم تطل بالصمت حتى عادَت بنبرةٍ خافتة "أنتِ تعلمين بأن والدي و سيباستيان تم استدعاؤهما للقصر الملكيّ .." صمتت قليلًا تنتظرُ ردًّا من دارينا التي لم تجبها "أليسَ كذلك؟" أكدّت ببعض الارتباكِ الظاهرِ في صوتها.

- همم ؟ آه نعم آسفة. إنني أعلم بالفعل , لقد دخل آلان ليأتي لي بالقهوة.

"آه تبًا أقلقتيني , ظننتُ بأنكِ لا تعلمين"


قهقهتْ دارينا بمرارةٍ و هي ترفع الفنجان لترتشفَ منه

- حسنًا لقد حصلتُ على الوقت الكافي للبكاء بسبب هذا الخبرمنذ ساعات كثيرةٍ مضت لذا ردّة فعلي الحالية أهدأ من سابقتها.

أرجعتْ دارينا فنجانها بحذرٍ ثم قالتْ لها بنبرةٍ خافتةٍ ليّنة

- كلُّ الضغطِ عليكِ الآن ها؟

سمعتْ تنهيدةً ثقيلةً من طرف ميرنا مع إجابةٍ مختصرةٍ كافيةٍ لتوصل ما تمرُّ بهِ لدارينا "أجل" , ابتسمتْ دارينا بقلّة حيلة . رفعت يدها تثبتها على خصرها و ثغرها يتقوسُ بابتسامةٍ جانبيةٍ مقلوبة . تسسلت نبرتها المخملية عبرت السماعة نحو ميرنا لتطبطب على قلبها برفق

- في العادةِ إن كلمت فتاةً أخرى تمرُّ بنفس الموقف كنتُ سأقول لها ان تفرغَ مشاعرها و تبكي لتستعدَ لمواجهة القادم لكن لا أظنُّ بأن هذه الخطة ستنفعُ معكِ صحيح ؟

"ليسَ لديَّ الوقتُ للبكاء"

- يؤسفني أن أقول بأنه حتى لو توفَّر لم تكوني لتفعلي.

"أتعنين بأنني قاسيةٌ و قلبي كالحجر؟"

- يا إلهي من أين أتيتي بهذا الهراء؟ ..


سمعتْ دارينا صوتً قهقهةٍ خافت لميرنا فابتسمت باتساع و هتفت : سيكونانِ على ما يرام .. أنتِ لستِ وحدكِ الجميع يقفُ معكِ هناك و أنا كذلك حاضرةٌ لأجلك !

-

خرجتْ دارينا مسرعةً بعد ذلك تعبرُ الباب الذي يفصلُ بين القسمِ الخاص بها و القسم الذي يؤدي للفندق لتبدأ العملَ المعتاد الذي تشرفُ عليه كمديرةٍ لفندق كاميليا آل هانسز . قامت بحملةٍ تفقديّة للخدم و الموظفين لأجلِ البدء بخطط اليوم و بعدها استدعتْ آلان إلى مكتب الإدارة في الفندق لتخبرهُ بأهم الأشياء التي يجبُ تجهيزها و القيام بها , تأجيل المواعيد المرنة و تثبيت المواعيد التي من المستحيل تأجيلها.

-

رفعتْ رأسها من منتصف ردهة الاستقبال الكبيرة في القسم الخاص تحدق نحو الجناحِ الذي تقبع فيهِ الآنسة هارلين. اعتصرَ قلبها حزنًا و رقّت ملامحها و هي تفكِّر بكيفَ من المفترض أن تخبرها بذلك. يجبُ أن تشرحَ لها ما يدور بطريقةٍ لن تزيدَ من همومها و قلقها .. و لكن مستحيل , مهما حاولتْ شرح الأمرِ بهدوء لن تقابلها إلّا ردّة فعلٍ تؤلم كليهما.

التفتتْ عندما سمعتْ صوتَ أحدٍ ينادي عليها فالتقت عيناها بعينيّ جاك..

{ "
حينما ذهبتُ للمهمة , لم أتوقع أن يتم رفضُ قدوم جاك معي. اعتدتُ عليه للغاية , رجلٌ ذكيٌّ يفهمُ أفكاري بسرعةٍ و لا يجادل في أمرها. كان من الصعبِ أن أستمرَّ مع الفريقِ الذي تم وضعي بينهم, صعبوا المراسِ و شديدوا التزمُّت .. بالكاد كنتُ أتحمل ضغطَ العمل فكيف بالاختناق الذي شعرتُ به برفقتهم" }

تكتَّفتْ كحركةٍ معتادةٍ و هي تقفُ و ابتسامتها تتسعُ , تراقبهُ يتقدم نحوها بروية , لحظاتٌ حتى أصبح يواجهها مباشرةً . مدَّ يده يقدمُ ملفاتٍ أحضرها من مكتب فرعيّ في الفندق طلبتها منه مسبقًا. تناولتها منه تتفقد عددها . ثم عادتْ تنظرُ له بعينان تلمعان بثقة.

بعدما تم رفضُ ذهاب جاك , و بصفتهِ رجلًا ليسً تابعًا للتنظيمِ الذي يعملُ به آرثر بل مجردَ رفيقٍ في منظمة ناثانيل , لم يكن هنالكَ مكانٌ يحتويه بعيدًا عن الخطرِ بما فيه الكفاية. فقررَّ البقاء تحت حماية دارينا بعدما اقترح آرثر عليهِ ذلك.

جاك خانَ منظمة ناثانيل التي لا يملك تجاهها أي ولاء , بل فضَّل إتِّباع الشخص الذي ساعده بالثأر لمقتل أخيه على يد منظمة ناثانيل. يساعدهُ في مهماته و يغطي عليه وقتما يغيب.

- عبّر آرثر عن شديدِ اشتياقه لك , بل و شعرَ بالوحشة لأنك لم تكن موجودًا معه.

رفعَ جاك حاجبه يبدي تعبيرًا مستنكرًا , ثم تنهدَ و قال : هو فقط مستاء لأن الذي يساعده في خططه المجنونة لم يكن معه.

قهقهتْ دارينا و هي تمشي برفقتهِ تصعدُ الدرج : حسنًا شيءٌ من هذا القبيل.

لم تلبثْ حتى اكتست الحدّة ملامحها و هي تغرقُ في أفكارها التي تعصف بعقلها , مثقلةً بالكثيرِ من الأعمال غير المتوقعة.

لحظ جاك ذلك , فدارينا في طور العمل و طور الراحة شخصانِ مختلفان تمامًا. انبسطتْ شفتاهُ تخلقان ابتسامةً بالكاد تُرى , ثم سألها بخفوت : أي مساعدة ؟

لم تلتفتْ له بل اكتفت بالتربيتِ على كتفهِ بلطف و بخفوت أجابته : أشكرك جاك.

مشتْ خطوتين مبتعدة و لكنها توقفتْ فجأة لتخبره : في الحقيقة ..هنالك شيء. هل يمكنكَ الذهابُ لإيقاظِ آرثر ؟

أومأ و لم يلبث أن عاد مقدمًا على نزول الدرج ليتوجه إلى أين يسكن غالبًا .. فأوقفته قائلة : ليسَ هناك.

عقدَ حاجبيه و هو موشكٌ على أن يسألها أين هو إذًا , فابتسمت و أشارت للجناحِ الذي يتواجدُ فيه مكتبها. فزفر و هو يهزُّ رأسه بخفوت يعاودُ الصعود ليتجه إلى هناك.

-

بهدوءٍ خطى في المكتبِ ثم التفت لليسار ناحية البابِ الذي يفتحُ على غرفتها. نظر للجانبِ و هو يفكر هل يستطيعُ الدخول هكذا إلى غرفةِ الآنسة لأجل إيقاظه أم لا , حسنًا هي من أخبرته لذا تقدمَ بالفعل و فتح الباب بحذرٍ ينظرُ للداخل, و لم يقابلهُ إلا سريرٌ ... مبعثرٌ ... فارغ.

- أين ذهب؟

-

تصلَّبت قامتهُ أمامَ الغرفةِ ذات البابِ الخشبيِّ الداكن , محتارًا هل يدخلُ أم لا ؟ .. ساعاتٌ قليلةٌ قد مرَّت . هل تحسَّن حاله ؟ هل هدأ ألمه ؟ شدَّ قبضته ثم مدَّها نحو مقبضِ الباب البارد ليفتحه , فاستوقفه أنينٌ استطاعَ سماعَه عند اقترابه أكثر.

- أيعقل؟

-

داخلَ الغرفة المعتمة بشكلٍ خانق , و على الأرض فوق ثنايا الأغطية الفوضوية قبضةٌ تشدُّ بقوَّة على القماش , و رجلٌ يصارعُ الألم الذي لا يحتمل. أنفاسهُ المتقطعة تعبر عن مدى الجهدِ الذي يبذلهُ ليتحكمَ في نفسهِ هذه اللحظة . إحدى يداه تغطي أذنه بقوّة يصنعُ حاجزًا حتى لا تستمرَ الأصواتُ باختراقها . لكن هيهات .. فتلك الأصواتُ تستمرُ بالدخول و كأن لا شيءَ يردعها عن أداء مهمتها المتمثلة في تدمير وعيه.

- ليسَ أنا ..

همسَ بارتجاف و بنبرةٍ بالكادِ تُفهمُ منها الكلمات , رأسهُ ينبضُ بألمٍ يعتصرُ أعصابه. ومضاتٌ سريعةٌ تضيءُ في عقلهِ لذكرياتٍ يكرهُ استراجعها بل يخاف أن يفعل. بدأ الأنينُ ينسلُّ من بينِ أسنانهِ يكسرُ السلاسلَ التي أحاطت بهِ طوال الوقت و كأنه يكافحُ لأن يخبرَ العالمَ عن ألمِ هذا الرجل. مع كلِّ نبضةٍ تنخزُ صدغه صرخاتٌ من الداخلِ تخترقُ عقله .. و وجهٌ دامٍ يحدثه بنبرةٍ خافتة : أنت السبب.

لوح بذراعه و كأنه يحاول النجاةَ من هذا الصراع ليسحبَ نفسه يقاوم رغبتهُ بضربِ رأسهِ في الأرض لعل الألم يتوقف. شهقَ بقوةٍ و هو يأخذُ نفسًا .. و وجه طفلٍ أشقرٍ بدأ يتكون في عينيهِ اللتان لا تبصران شيئًا . يحدقُ بهِ بغضب , بحقد .. أنت السبب . تكررت الجملةُ منه بقوة.

- لا ... لا ..

شهقَ مجددًا يسحبُ نفسًا صعبًا .. و بدأت تلكَ الصورةُ تتحورُ مجددًا . لتظهرَ صورةُ شابٍّ بذاتِ الملامحِ تقتربُ منه. جرَّ جين نفسهُ للخلف و كانه يحاول الهرب. حتى سمعه يهمسُ باسمه بخفوت .. فصرخَ به جين و هو يرمي بذراعهِ للامام و كأنه يمنعه عن الاقتراب : ابتعد..

هزَّ رأسه ناهرًا و عيناهُ محتدتان محمرتان.

- جين !!

سُمع الصوتُ مجددًا بقوة و لكن هذه المرة , شعرَ جين بيدين تغلفان ذراعه بشدة , اقتربت إحداهما من وجهه تمسحُ عليه تتحسسُ بشرتهُ التي تشتعل و تنهدٌ مرتعش صدرَ قبل أن يُتبع الصوت قائلًا : هل بقيتَ تعانِي طوال ذلك الوقت ؟! أين جوزيف عنك يا إلهي!

بقوة سُحب جين للأعلى ليجلس على السرير . دفع جين ذراعه و النظرات الحادة التي تبدي تحاملًا على النفس ما زالت على وجهه .

- اتركني و شأني .. إلى أين تريد أن تأخذني بعد ؟! ألم أخبركَ مرارًا أن تفعل؟ لكنكَ دائمًا دائمًا لا تستمع..

جين بالكاد يرى ما أمامه , الضوء الخفيف الذي يدخلُ من شقِّ الباب يخترقُ عينيهِ بقوة تؤلمه و التشوش الذي يدور في رأسه و عينيه يجعلهُ غير قادرٍ على تمييز الواقعِ من الوهم.

- أغلق الباب السحيق !!

صاحَ و هو يغمضُ أجفانه بقوةٍ , فارتبك الآخر و هرعَ مسرعًا نحو البابِ ليمنعَ الضوء من الدخول.

"ما الذي يجبُ عليَّ فعله؟"

فكّر آرثر بهلع و يدهُ ما زالت متشبثةً بمقبض الباب غير قادرٍ على التفكيرِ بحل , و كأن عقلهُ يمنعهُ عن التوصل لنتيجة.

"تلك الفتاة ! يجبُ أن آتي بها .. و طبيب ؟"

شدت يده على المقبض لتسحبه .. و لكن أوقفه صوتُ جين القادم من الخلف ...

- أنت تكرهني أليسَ كذلك ؟ لأنني السببُ بموتِ أمِّي ..

انحبست أنفاس آرثر و تصلّب كيانُه . ما الذي يسمعهُ منه فجأة ؟ رمشَ ببطءٍ يحاول استيعاب ما دخلَ عقلهُ للتو .. ثم التفتَ ينظرُ للظلامِ من حيثُ يأتي صوتُ جين.

- لولاي لكانت ما زالتْ على قيدِ الحياة.

نبرتهُ غامضة , لا يستنبطُ منها جفاءٌ أو امتعاض. قبضَ آرثرُ يدهُ حتى ابيضتْ مفاصله , تقدم ببطء و هو يستمعُ للكلمات التي تسلسلتْ بعدَ ذلك من جين تحكي هراءً يسمعه للمرةِ الأولى : أنا من جعلتهُ يدخل .. أنا من سلمتُها له لتُقتل برصاص مسدسه.

رأس آرثر بدأ يغلي .. اقتربَ أكثر حتى استطاعَ سماعَ أنفاسِ جين الثقيلةِ بوضوح ثم نبرتهُ المستفزة قائلة : قاتلها الحقيقيّ لم يكنْ سوا أنا. أجل .. هذا صحيح.

ضحكةٌ مُرّةٌ صدرت منه فصاحَ به آرثر : ما الذي تهذي به يا هذا ؟!!

مدَّ يده ليقبض على ياقة جين الذي لم يتوقف : لقد قالَ لي بأنني أحسنتُ صنعًا , فقدْ وفرت عليه الكثيرَ من العناء.

كان آرثر على وشكِ الانفجار حتى شعرَ بقطرةٍ تنساب على يده , ثم تبعتها قطرات . رفع يدهُ ليلمسَ وجه جين .. فارتجفتْ أطرافه "دموع؟"

- وجهها يرافقني كلَّ ليلة , هي لن تسامحني أبدًا أليسَ كذلك؟


أغمضَ آرثر عينيهِ بقوة و كأن بذلك سيحمي نفسهُ من سماعِ كلمات جين التي تخترقُ قلبهُ كالخنجرِ. ما الذي يجبُ عليهِ قوله ؟
آرثر , فهمَ أن جين يلوم نفسها على وفاة والدته كاميليا. ارتجفَ فكُّه بخفوت و هو يمنعهُ عن الاستمرار قائلًا : أنت تنهار أمامَ الوهم .. يالضعفك.

ضحكةٌ جافة صدرت من فمِ جين , ضحكةٌ كانت خافتةً ثم بدأت تعلو أكثر , ضحكةٌ تخالطها الدموع .

ومضت في عقلِ آرثر ذكرى لذاتِ هذا الرجل و هو يسحبه لصدرهِ يحميهِ من البرد. فهل يجبُ عليه أن يردَّ له المقابل ؟ و لكن من أي بردٍ يجبُ عليه أن يحميه يا ترى ؟

ابتسمَ آرثر بخفوت ...

"برودة كلماته ربما؟"

امتدتْ ذراعان لتسحبه , فغاص جسد جين في أحضان أخيه , و الدموعُ ما زالتْ تُذرفُ بصمت . رفعَ ذراعيه يتشبثُ بجسدِ آرثر و كأنه الخيطُ الوحيدُ الذي يحميه من الوقوعِ في تلكَ الدوَّامة.

لم يستطع آرثر , إلّا أن يرى جين ما قبل عشرينَ عامًا بدلًا من هذا الجين و لأولِ مرّة يتذكرُ وجهه الصغير بكل تفاصيله.

"كم عاشَ مع هذا الذعر يا ترى؟"

سأل آرثر نفسهُ و هو يضغط رأس جين أكثر في صدره . يعقدُ حاجبيه و هو يتخيّل مقدار الألم الذي كان يواجهه هذا الصرح في كلِّ مرةٍ تأتيه النوبة.

-

{ "
لا أعلم كيف من المفترض أن أجلب ذلك بكل طبيعية , و لكن .. لقد قابلتهم , شخصانِ لم أتوقع لقاءهما طوال حياتي بأكملها و لم أتوقع أن تتقاطع سبلنا يومًا. كان لقاءً سخيفًا"

رفع عينيه ينظرُ في عينيها بفضول يميل برأسه قليلًا ثم سألها و ابتسامةٌ طفيفةٌ ترتسم على شفتيه "
إن ظهرَ رجلان فجأة أمامكِ يتشاجران ثم فجأة أعلنا إعلانَ القرنِ بأنهما أخاكِ و أباكِ المفقودان كيف ستتصرفين ؟ أرشّح قتلهما لأنهما كاذبان بلا أدنى شك" }

وقفت دارينا جانبًا و معها آلان يستمعانِ لتعليمات الطبيب الذي انتهى للتو من فحصِ حالةِ جين الجسدية و معهُ الآنسة هارلين التي تنصتُ بتركيز لكلامه و هي تطرفُ لتتفقدُ جين كل كلمة و أخرى. و هناك خلف السرير وقفَ آرثر عند رأس جين الذي طلبَ أن تُعصبَ عيناهُ بقماشٍ داكن حتى لا يبصرَ الضوء الذي تتحسسُ منه .

حدّق آرثر به باهتمام و كأنه يعدُّ أنفاسه التي يتنفسها يتأكد من أنها كافيةٌ .

"هذا أخوهُ إذًا"

فكّرتْ في نفسها . لأن تقابلُ أخيهِ للمرةِ الأولى و هو في حالةٍ كهذه , كانت متضايقةً لأجله لأن الألم الذي وصفه الطبيبُ و الأعراض التي تحدّث عنها بدت شديدةً للغاية , تفهمت لم بدا وجهَ آرثر لا يفسّر و هو يطلبُ الطبيب بشكلٍ عاجل.

ابتسمت و هي تراقب آرثر مسرورةً برؤيته يتصرفُ باهتمامٍ تجاه أخيه الذي لم يطلِ الحديثَ عنه كثيرًا و كأنه يحاول التواري عن الدخول في أيِّ حوارٍ يتعلق به. "لا عجبَ أن صوتَهُ في الهاتفِ بدا تمامًا كصوتِ آرثر , ظننتهُ هو للحظات , قبل أن ألاحظ اختلافَ اللكنة" ضحكتْ بخفوتٍ شديدٍ حتى لا تُكشف , لوت شفتيها تطبقهما ببعضها ثم نظرتْ لآلان الذي يتابعُ الطبيبَ بتركيز. انتبهت دارينا أنها غرقتْ في أفكارها متناسية جديَّة الموقف فتنحنحتْ و عاودتْ النظرَ للطبيبِ تستمعُ لحديثهِ مع هارلين.

- في النهاية , أرجو أن يُتركَ ليرتاح . بعد ساعة قدموا له بعض الطعامِ الخفيفِ الذي يسهل ابتلاعه و حافظوا على جرعةِ المهدئ المناسبة.

سحب حقيبتهُ السوداء و استعذرَ ليعودَ لمستوصفه في قسمِ الفندق الرئيسيّ فمشى آلان برفقته للخارج.

تقدَّم آرثر قليلًا مبتعدًا عن مكان جين و عيناهُ ما زالتَا مطبقةً عليه , حتى التفتَ في النهاية يقلّب عينيهِ بين هارلين و دارينا ثم رفع حاجبهُ مستنكرًا ابتسامتها التي تبدو غير مهنيّة البتة , متسعة و مسرورة في وقتٍ من المفترض أن تكون فيهِ جدّية.

وضع أصابعه أمام فمه ثم سحبها و كأنه يخبرها أن تعدّل ابتسامتها, فزمت شفتيها تكّون تعبيرًا جادًّا. ابتسمتْ هارلين و هي تنظرُ لدارينا التي سرعانَ ما انقلبت تعابيرها , و لكن لم تدم ابتسامتها طويلًا لأنها عادت للقلق على حالة جين. شعرت بيدٍ تلمسُ ذراعها تمسدها بلطف , فالتفتت لتجد دارينا بجانبها تحاول بثَّ الصبر فيها , تضم شفتيها بابتسامةٍ رقيقةٍ مطمئنة و كأنها تقولُ بأن كل شيءٍ سيكونُ على ما يرام.

هارلين ممتنةٌ لها , مذ أن دخلت عليها هذا الصباح توصلُ لها خبرَ مايكل الذي كان كالجمر الحارق على قلبها لاحظتْ كيف تتفقدها كلَّ حينٍ و تبتسمُ لها حتى لا تغرقَ في الأفكار التي ستجعلها تتشائم من الحال التي هي فيها.

- دعينا نذهب لنحصلَ على بعضِ الإفطار. سمعتُ بأنكِ تحبِّينَ عجّة البيضِ مع الفطر لقد أعددنا البعض لأجلك~

اتسعت عينا هارلين و هي تنظرُ لها مستغربةً من وصول معلومةٍ كهذه لها , ثم سمعتْ صوتَ ضحكةٍ ساخرة فرفعت أعينها لتنظر لآرثر الذي يمشي مبتعدًا فأبدتْ تعجبًا شديدًا.

"يبدو بأنَّها لم تتخلص من عادَة جمعِ المعلوماتِ عن الضيوفِ الذين يأتونها"

فكّر آرثر وهو ينظرُ بسخافةٍ للسقف.




at_1767053496244.png



at_176705349607071.png
 
التعديل الأخير:
  • فديت
التفاعلات: YAFA

المتواجدون في هذا الموضوع

أعلى أسفل