الفصل الرابع : العنوان : أول كذبة وأول دمعة كان الصيف حاراً ذلك العام في ذات النخيل.
حاراً بشكل غير معتاد. الشمس تبقى في السماء أطول مما ينبغي، كأنها نسيت أن تغرب. الأرض تتشقق عطشاً. النهر الصغير يضيق يوماً بعد يوم.
والأطفال... الأطفال وحدهم لا يهتمون بكل هذا.
قمرية كانت في الثالثة من عمرها وأشهر، جالسة تحت نخلة في حديقة البيت، تحفر في التراب بعصا صغيرة.
لم تكن تلعب.
كانت تفكر.
على الأقل، هكذا بدت للناظر إليها. وجهها الصغير مقطب قليلاً، عيناها البنيتان مثبتتان على الأرض أمامها، يدها تحرك العصا بإيقاع منتظم.
حفرت. حفرت. حفرت.
ثم توقفت.
نظرت إلى الحفرة الصغيرة التي صنعتها.
ثم نظرت إلى النخلة فوقها.
ثم نظرت إلى الحفرة مرة أخرى.
"سلمى!"
صوتها الصغير قطع هدوء الحديقة.
سلمى ست سنوات، شعر مبعثر، ركبتان متسختان من الركض أطلت من خلف الشجرة.
"ماذا؟"
"تعالي انظري."
اقتربت سلمى، نظرت إلى الحفرة الصغيرة.
"وماذا في هذا؟"
"النخلة..." قالت قمرية ببطء، كأنها تختبر فكرة وهي تنطقها. "جذورها تحت الأرض. أطول مما نرى فوقها."
نظرت سلمى إلى النخلة الطويلة، ثم إلى الحفرة الصغيرة.
"وماذا تريدين أن تفعلي؟"
"أريد أن أرى الجذور."
صمتت سلمى لحظة.
ثم قالت بمنطق الأخت الكبيرة الذي لا يقبل النقاش:
"لا تستطيعين. الجذور عميقة جداً. ستحفرين حتى تبلغي الثلاثين ولن تصلي."
قمرية نظرت إلى الحفرة. نظرت إلى النخلة.
"حسناً."
رمت العصا.
وقفت، ومضت إلى داخل البيت.
سلمى بقيت واقفة، تنظر خلفها.
"إلى أين؟"
"إلى أبي. سأسأله."
حارث كان في غرفة صغيرة جانبية يكتب.
الغرفة كانت متواضعة طاولة خشبية، كرسي، رف بسيط عليه بضعة لفائف ورق. لم يكن مكتبة فخمة. كانت المكان الوحيد في البيت حيث يجلس حارث وحده أحياناً، يفكر ويكتب حسابات القرية وقراراته.
دخلت قمرية دون أن تطرق.
لم تكن تعرف بعد أن الطرق على الأبواب أدب واجب.
"أبي."
رفع حارث رأسه من الورقة.
"قمرية؟ ماذا تريدين؟"
"لماذا الجذور تحت الأرض؟"
توقف قلمه.
نظر إلى ابنته الصغيرة الواقفة أمامه بجدية تامة، وجهها المقطب لا يزال يحمل أثر التفكير العميق.
وضع القلم.
"تعالي."
أجلسها على ركبته.
"الجذور تحت الأرض لأن الأرض تحمل الغذاء والماء. النخلة تضرب جذورها عميقاً لتصل إلى الماء البعيد. هكذا تبقى حية في الصيف الحار."
قمرية أومأت ببطء.
"إذن... كلما كانت الشجرة أطول فوق الأرض..."
"كلما كانت جذورها أعمق تحتها. نعم."
صمتت قمرية.
ثم قالت بصوت خافت، كأنها تقول شيئاً لنفسها أكثر مما تقوله لأبيها:
"مثل الناس."
توقف حارث.
"ماذا قلتِ؟"
نظرت إليه.
"الناس الطيبون... الذين يساعدون كثيراً... ربما لديهم ألم كبير في داخلهم. جذور عميقة لا نراها."
الغرفة صارت هادئة.
حارث نظر إلى ابنته ثلاث سنوات وبضعة أشهر.
لم يجب.
فقط أمسكها بقوة، وضغطها إلى صدره.
"من أين جئتِ يا قمرية؟" همس.
لم تفهم السؤال.
لكنها شعرت بدفء أبيها، وابتسمت.
في نفس الصيف الحار، في وادي الحجر.
الحر هناك كان أقسى.
لأن وادي الحجر لم يكن فيه نخل كثير يظلل. ولا نهر يمر بقربه. فقط حجارة تختزن حرارة الشمس وترميها في الليل أيضاً.
سعد في الثالثة وأشهر، جالس أمام باب الكوخ، ينظر إلى الطريق.
كان ينتظر زينب.
ذهبت صباحاً إلى السوق لتبادل بعض الحطب مقابل طعام. وعادةً تعود قبل الظهر.
لكن الظهر مضى.
وجاء العصر.
وزينب لم تعد.
سعد لم يتحرك من مكانه.
لم يبكِ. لم يصرخ. لم يركض في الطريق يبحث عنها.
فقط جلس. وانتظر. وفكر.
في رأسه الصغير كانت تدور حسابات بسيطة لطفل في سنه:
السوق بعيد بمسافة كذا. ذهبت في الصباح. إذا عادت الآن... إذا تأخرت أكثر...
لم يكمل الحساب لأن صوتاً جاء من آخر الطريق.
زينب.
تمشي ببطء أكثر من المعتاد. ظهرها منحني أكثر. يدها اليسرى تضغط على خاصرتها.
وقف سعد.
لم يركض نحوها لم يكن من طبعه الركض نحو أحد بشكل عام. لكنه اقترب ببطء، ينظر.
وجهها متعب. أكثر من تعب المشي.
"زينب."
"أنا هنا يا سعد." ابتسمت ابتسامة متعبة. "اعتذر عن التأخر."
"هل أنتِ بخير؟"
توقفت. نظرت إليه.
طفل في الثالثة لا يسأل "ماذا اشتريتِ؟" ولا "هل أحضرتِ طعاماً؟"
يسأل "هل أنتِ بخير؟"
"بخير يا صغيري."
لكن سعد لاحظ أنها لم تنظر إليه وهي تقول ذلك.
نظرت إلى الأرض.
دخل رأسه الصغير في صمت.
وفي داخله، بدون أن يفهم لماذا تماماً، عرف شيئاً واحداً:
زينب كذبت.
في الليل، بعد أن أكلا ما أحضرته قليل من الخبز الجاف وبعض التمر جلسا أمام الموقد.
زينب تنظر إلى النار.
سعد يراقبها.
"زينب."
"نعم؟"
"ما الذي حدث في السوق؟"
صمتت.
"لا شيء. تأخرت فقط."
سعد لم يجب.
فقط استمر في النظر إليها.
وزينب التي عاشت سبعين سنة وتعلمت أن الصمت أحياناً أثقل من الكلام شعرت بثقل تلك النظرة الصغيرة.
تنهدت.
"سقطت في الطريق يا سعد. ركبتي. ليس أمراً كبيراً."
"أرني."
"ماذا؟"
"ركبتك. أرني."
تردد زينب.
ثم كشفت عن ركبتها ببطء.
الجرح كان أكبر مما توقع سعد. ليس خدشاً صغيراً. سقطة حقيقية على الحجارة. الدم جفّ لكن الجرح لا يزال أحمر.
نظر سعد إلى الجرح.
ثم نظر إلى وجه زينب.
في وجهها كان هناك شيء لم يكن الألم فقط. كان هناك... خجل؟ خوف؟
"لماذا أخفيتِ عني؟"
"لأنك صغير. لا تحتاج أن تقلق."
"أنا لا أقلق." قال سعد. "أنا أفكر."
لم تفهم زينب الفرق. لكن سعد كان يعرفه جيداً في داخله.
القلق هو أن تخاف دون أن تفعل شيئاً.
والتفكير هو أن تجد ما يجب فعله.
قام سعد. ذهب إلى الزاوية حيث تحفظ زينب أعشابها الطبية. أشياء علّمته إياها منذ أشهر هذا للجروح، هذا للحمى، هذا للألم.
أخذ العشبة الصحيحة. سحقها بين حجرين صغيرين. أضاف قليلاً من الماء.
عاد إلى زينب.
وضع الخليط على جرحها بيديه الصغيرتين.
زينب لم تتحرك.
فقط نظرت إليه. إلى هذا الطفل في الثالثة الذي يضمد جرحها بيدين لا تزالان بحجم يدي طفل صغير لكن تتحركان بهدوء يشبه هدوء رجل عجوز يعرف ما يفعله.
"سعد..."
"لا تتحركي."
انتهى.
نظر إلى عمله. أومأ برأسه كأنه يوافق على نتيجة.
ثم نظر إلى وجهها.
"في المرة القادمة... أخبريني."
"لكنك..."
"في المرة القادمة. أخبريني."
صمتت زينب.
ثم قالت بصوت خفيض جداً، خفيض حتى كادت لا تسمع نفسها:
"حسناً."
وفي تلك اللحظة طفل في الثالثة يضمد جرح عجوز في السبعين انعكس شيء ما. كأن الأدوار تبدلت للحظة، وسعد صار هو الحارس، وزينب هي المحمية.
لكن الليل لم ينتهِ بهذا الهدوء.
بعد أن نامت زينب، جلس سعد وحده أمام الموقد المحتضر.
النار تخبو. الجمر يتحول إلى رماد.
وفي رأسه كان يدور سؤال لم يستطع أن يتركه.
زينب كذبت.
قالت "بخير" وهي لم تكن بخير.
لماذا؟
فكّر.
فكّر بطريقته الخاصة ليس كما يفكر الأطفال بأسئلة عشوائية، بل بطريقة تشبه الحجارة تُرتب فوق بعضها: هذا السبب يؤدي إلى هذا، وهذا يؤدي إلى هذا.
لماذا يكذب الناس؟
إما لأنهم يريدون إخفاء شيء.
أو لأنهم يريدون حماية شيء.
زينب لا تريد إخفاء شيء هي لا تملك ما تخفيه.
إذن... أرادت حمايته هو.
أرادت ألا يقلق.
أرادت ألا يخاف.
جلس سعد بهذا الفهم الجديد وهو يحدق في الجمر.
ثم جاءه سؤال آخر، أثقل من الأول:
إذا كانت زينب تكذب لحمايته...
فهل سيأتي يوم تكذب عليه بكذبة أكبر؟
بكذبة حقيقية؟
ولم يستطع الإجابة.
وللمرة الأولى في حياته القصيرة، شعر سعد بشيء لم يعرف اسمه بعد.
شيء بارد في صدره.
شيء يشبه الخوف، لكنه ليس الخوف من شيء يراه.
بل الخوف من شيء لا يستطيع رؤيته بعد.
في ذات النخيل، في نفس الليلة.
كانت قمرية مستيقظة أيضاً.
لكن لسبب مختلف تماماً.
كانت مستيقظة لأنها فعلت شيئاً سيئاً.
في المساء، حين كانت نورة تعد الطعام، رأت قمرية على الرف العالي الرف الذي تحفظ فيه نورة إبرها وخيوطها وأشياءها الدقيقة الصغيرة رأت شيئاً لامعاً.
حجر صغير أخضر، ملساء، يلمع كأنه يحمل قطعة من السماء.
كان الحجر هدية قديمة لنورة من حارث.
لم تكن قمرية تعرف هذا.
رأت فقط شيئاً جميلاً. ومدت يدها وأخذته.
حين سألتها نورة في العشاء "هل رأيتِ حجري الأخضر؟ أبحث عنه منذ الظهر"، قالت قمرية بسرعة، دون أن تفكر:
"لا."
ثم صمتت.
وحين نامت سلمى وعادل، وخرج حارث ليتحقق من القرية قبل النوم كعادته، جلست قمرية في فراشها وأمسكت الحجر الأخضر في يدها.
وشعرت بشيء غريب في بطنها.
شيء ثقيل. غير مريح.
لم تكن تعرف اسمه.
لكننا نعرفه نحن.
كان الذنب.
ظلت مستيقظة وقتاً طويلاً.
تنظر إلى الحجر في يدها.
جميل. بارد. يلمع حتى في ضوء القمر الخافت الداخل من النافذة الصغيرة.
لماذا أخذته؟
لأنه جميل.
لماذا كذبت؟
لأنها... خافت؟
من ماذا؟
من أن تأخذه منها أمها.
لكن لماذا يجب أن تبقيه؟ إنه ليس لها.
دارت هذه الأفكار في رأسها الصغير دون توقف. مثل ماء يدور في جرة.
ثم، فجأة، قامت.
مشت في الظلام بهدوء حتى لا توقظ سلمى النائمة بعمق إلى غرفة والديها.
الباب كان موارباً.
أطلت.
أمها كانت نائمة. وجهها هادئ في النوم، شعرها منتشر على الوسادة.
قمرية دخلت ببطء شديد.
اقتربت من الجانب حيث كانت نورة نائمة.
وضعت الحجر الأخضر بصمت على الأرض بجانب الفراش. حيث ستراه أمها أول شيء حين تستيقظ.
ثم عادت إلى غرفتها.
وفي فراشها، تحت الغطاء الصوفي، شعرت بأن ذلك الثقل في بطنها خف قليلاً.
ليس كل الثقل.
لأن الحجر عاد، لكن الكذبة بقيت.
قالت "لا" حين كان الصواب "نعم."
وهذا لا يُمحى بمجرد إعادة الحجر.
في الصباح، حين وجدت نورة الحجر بجانب فراشها، نظرت حوله بحيرة.
ثم نظرت إلى قمرية التي كانت تأكل خبزها على المائدة بهدوء مصطنع.
لم تقل نورة شيئاً.
لكنها بعد الإفطار، حين خرج الآخرون، جلست أمام ابنتها.
"قمرية."
"نعم أمي."
"هل تريدين أن تخبريني بشيء؟"
صمت.
عيون قمرية البنيتان نظرتا إلى وجه أمها.
وبشيء في وجه نورة ليس غضباً، ليس تهديداً، فقط... هدوء يشبه الانتظار شعرت قمرية أن الكذبة الثانية ستكون أصعب من الأولى.
"أنا أخذت الحجر."
"متى؟"
"أمس. رأيته في الرف. كان جميلاً."
"وحين سألتك؟"
طال الصمت.
"قلت لا."
نورة لم تغضب. لم ترفع صوتها.
فقط نظرت إلى ابنتها نظرة طويلة.
"هل تعرفين لماذا هذا الحجر مهم لي؟"
أومأت قمرية بالنفي.
"أبوك أعطاني إياه في السنة الأولى من زواجنا. كنا فقيرين جداً آنذاك. لم يكن يملك ما يشتريه هدية. فذهب إلى النهر وبحث لساعات حتى وجد هذا الحجر. قال لي: وجدت أجمل شيء في النهر ليعيش في بيتنا."
قمرية نظرت إلى الحجر في يد أمها.
شيء ما تغير في نظرتها إليه.
لم يعد مجرد شيء جميل لامع.
صار يحمل قصة.
"أنا آسفة أمي."
"أعرف."
"لن أكذب مرة أخرى."
نظرت إليها نورة.
"قمرية، الجميع يكذب أحياناً. حتى الناس الطيبون. المهم ليس ألا تكذبي أبداً. المهم أن تعرفي كيف تشعرين حين تكذبين."
"شعرت بشيء ثقيل في بطني."
"هذا الضمير. احتفظي بهذا الشعور. هذا أثمن شيء تملكينه."
ليست نهاية الفصل بعد.
بقي مشهد واحد.
في ذلك اليوم بعد الظهر، جاء رجل إلى بيت حارث.
رجل في الخمسين، وجه أسمر منهك، ملابس بسيطة مرقعة.
اسمه جابر. فلاح من الجهة الشرقية من القرية.
كان يبكي.
ليس بكاء خافتاً مهذباً. بكاء حقيقياً، محرجاً، بكاء رجل لم يبكِ منذ سنوات وفجأة لم يعد يستطيع الإمساك بنفسه.
قمرية كانت تلعب في الحديقة. سمعته. رأته من بعيد يدخل إلى أبيها.
لم تتبعه كانت تعرف أن هناك حدوداً لا تتجاوزها حتى هي.
لكنها جلست قريبة من النافذة المفتوحة.
واستمعت.
سمعت أجزاء متقطعة: "...محصول كامل... الجراد... لا أملك ما يأكله الأطفال... لا أعرف كيف..."
ثم صوت أبيها، هادئاً، يسأل أسئلة. ثم صمت. ثم صوت أبيها يعطي أوامر لشاكر.
بعد وقت، خرج جابر.
وجهه كان مختلفاً. لم يكن سعيداً كانت مشاكله لا تزال موجودة. لكن ذلك الانكسار الكامل اختفى. كأن أحداً قال له: أنت لست وحدك في هذا.
قمرية نظرت إليه وهو يمشي في الطريق.
ثم نظرت إلى الباب حيث كان أبوها يقف.
حارث لاحظها. أومأ لها أن تتعال.
اقتربت.
"سمعتِ؟"
"بعض الكلام."
"جابر فقد محصوله كله. أسرته جائعة."
"هل ستساعده؟"
"شاكر يحمل إليه الآن من مخزوننا ما يكفيهم الشهر."
قمرية نظرت في اتجاه جابر البعيد.
"لكن بعد شهر؟"
توقف حارث.
نظر إلى ابنته.
"بعد شهر سنفكر في بعد شهر."
"لكن لو أعطيناه بذوراً الآن يزرعها... لن يحتاج في الشهر القادم أن يأتي يبكي."
صمت طويل.
قال حارث ببطء: "عندكِ حق."
"أعرف."
ثم مضت إلى الحديقة تكمل لعبها.
وحارث بقي واقفاً ينظر خلفها.
ثم استدار ونادى شاكر.
"شاكر. أضف للحمل بذوراً للزراعة."
"سيدي؟"
"قمرية قالت."
في نفس الوقت، في وادي الحجر، جلس سعد مع زينب تحت ظل الكوخ.
زينب كانت تعلمه الأعشاب تسمياتها، أشكالها، استخداماتها.
"هذه للحمى. هذه للجروح. هذه..."
"زينب."
"نعم؟"
"هل ستموتين؟"
توقفت زينب.
الهواء الساخن حول الكوخ صار أثقل فجأة.
نظرت إلى سعد. جالس أمامها بعيون هادئة تماماً. لا بكاء. لا ارتعاش. فقط سؤال.
"يوماً ما. نعم. كل الناس يموتون."
"متى؟"
"لا أعرف."
"لكن أنتِ كبيرة."
"نعم."
"أكبر من بقية الجدات في القرية."
"ربما."
"ركبتك تؤلمك."
"أحياناً."
"وظهرك."
"سعد..."
"وتتعبين بسرعة أكثر من قبل."
صمتت زينب.
وسعد نظر إليها بتلك العيون الداكنة الهادئة التي تشبه عيون من يعرف أكثر مما يقول.
"إذا متِّ... ماذا يحدث لي؟"
السؤال خرج بسيطاً. مباشراً. بلا درامية.
مثل سؤال طفل يسأل عن الطقس غداً.
لكن ثقله كان كالحجارة.
زينب فتحت فمها. أغلقته. فتحته مرة أخرى.
ماذا تقول لطفل في الثالثة يسألك هذا السؤال؟
لا تكذبي عليه. قررت.
لا تكذبي عليه.
"لا أعرف يا سعد."
"لن يأخذني أحد؟"
"ربما... بعض العائلات في القرية"
"لن يأخذني أحد." قال سعد. ليس بمرارة. كتقرير واقع. "أنا أعرف. أنا يتيم. الناس لا يريدون أطفال الآخرين."
"سعد"
"لكن هذا لا يهم."
"ماذا تعني؟"
نظر إليها.
"سأكبر بسرعة."
"أنت بعد في الثالثة"
"سأكبر بسرعة." كرر، بنبرة ليست عناداً ولا تمنياً. كانت نبرة قرار. "وقبل أن تموتي... سأكون قادراً على الاعتناء بنفسي. لن تقلقي."
زينب حدقت في هذا الطفل.
الطفل الذي لم يبكِ حين قرر أنه سيكبر بسرعة لأنه لا يملك رفاهية الوقت.
ثم، لأول مرة منذ سنوات طويلة، بكت زينب.
ليس من الحزن وحده.
بل من شيء أصعب من الحزن.
من حنان مؤلم نحو طفل اضطر أن يكون حكيماً قبل أن ينهي عامه الثالث.
وسعد الذي لم يبكِ مد يده الصغيرة ومسح دموعها.
كما فعل الليلة الماضية مع جرحها.
بهدوء. بثقة. كمن يعرف ما يجب فعله.
في ذات النخيل، نامت قمرية تلك الليلة وهي تمسك يد سلمى.
شعرت لأول مرة بشكل حقيقي أن الحب يؤلم أحياناً. أن تحب شيئاً يعني أن تخاف على فقدانه.
لم تكن تعرف كيف تسمي هذا الشعور.
لكنها أمسكت يد أختها أقوى.
في وادي الحجر، نام سعد وظهره إلى الحائط، يواجه الباب.
عادة جديدة بدأها تلك الليلة.
لم يكن يعرف لماذا بالضبط.
لكنه شعر أن من يواجه الباب... يرى ما يأتي قبل أن يصل. [نهاية الفصل الرابع]
من السنة الرابعة حتى الخامسة من العمر
في عمر الرابعة،
في صباح يوم عادي، كانت نورة تُمشّط شعر قمرية الطويل الداكن أمام المرآة النحاسية في غرفة النوم. وكانت قمرية تنظر إلى انعكاس وجه أمها في المرآة بتركيز غريب.
ثم قالت فجأة:
"أمي، أنتِ تحزنين أحياناً."
توقفت نورة عن التمشيط.
قالت: "من أين جاءكِ هذا يا قمرية؟"
قالت قمرية وعيناها لا تزالان على المرآة: "عيناكِ. حين تظنين أنني لا أنظر، تتغير عيناكِ. تصيران بعيدتين. كأنكِ تذهبين إلى مكان لا أراه."
صمتت نورة.
نظرت إلى ابنتها في المرآة. ثم نظرت إلى عينيها هي. ثم أدارت رأسها ببطء نحو قمرية.
سألتها بصوت خافت: "وماذا تظنين أنني أفكر فيه؟"
فكّرت قمرية لحظة. ثم قالت بثقة طفولية مدهشة:
"في شخص تفتقدينه."
ارتجفت يد نورة التي كانت تمسك المشط.
كانت تفكر في أخيها الذي مات قبل سنوات، قبل أن تتزوج حارث. لم تتحدث عنه أمام قمرية قط. لم يسمع أحد منها كلمةً عنه منذ أمد بعيد.
جثت نورة أمام ابنتها. نظرت في عينيها البنيتين الدافئتين.
قالت بهدوء: "كيف عرفتِ؟"
أجابت قمرية ببساطة تامة: "لأن عينيكِ تحكيان."
من ذلك اليوم، بدأت نورة تُراقب ابنتها بعيون مختلفة.
كانت قمرية في كل مكان تذهب إليه تقرأ الناس من حولها. لا تقرأ كلماتهم بل تقرأ ما وراء كلماتهم. ما تُخفيه أجسادهم. ما توحي به نظراتهم. ما يقوله صمتهم.
يوماً كان عادل أخوها الأكبر، الذي صار يبلغ السبع سنوات يتدرب على الكتابة في الطابق الأوسط. وكانت معلمته الخاصة تجلس بجانبه وتُصحح له.
دخلت قمرية. جلست في الزاوية كما تفعل دائماً حين تريد أن تراقب دون أن يُلاحظها أحد.
لاحظت أن عادل كان يكتب بيده اليمنى، وهو ما طُلب منه دائماً. لكن كلما غفلت المعلمة، مال بجسده قليلاً كأن يده اليسرى تريد أن تتحرك.
بعد انتهاء الدرس، ذهبت قمرية إلى أخيها.
قالت له: "عادل، يدك اليسرى أسهل عليك."
نظر إليها عادل مذعوراً. ثم نظر إلى الباب تأكداً من أن المعلمة غادرت.
قال: "من أخبرك؟"
قالت: "أنت أخبرتني. لكنك لم تتكلم."
فتح عادل فمه. ثم أغلقه. ثم قال بصوت منخفض:
"المعلمة تقول إن اليد اليسرى غير لائقة. وأبي سيغضب."
نظرت إليه قمرية. ثم قالت بثقة لا تناسب طفلة في الثالثة:
"لن يغضب. أبي لا يغضب من الحقيقة."
ثم قامت ومشت نحو غرفة أبيها.
أخبرته بكل شيء.
حارث أتى إلى عادل. جلس معه. طلب منه أن يكتب بيده اليسرى. نظر إلى الخط.
ثم قال: "منذ الغد، تكتب بيدك التي تريحك."
بكى عادل. ليس من الحزن، بل من ذلك النوع من البكاء الذي يأتي حين ينزل عن الكاهل ثقل كان يحمله وحده وقتاً طويلاً.
ولما خرج حارث، التفت إلى قمرية الصغيرة التي كانت تقف عند الباب.
قال لها: "أحسنتِ."
ابتسمت قمرية. لم تكن تعرف بعد أن هذه الموهبة رؤية ما يُخفيه الناس ستكون يوماً أثمن ما تملك. وأخطر ما تحمل.
في «وادي الحجر»، في عمر الرابعة نفسها، كان سعد يطرح أسئلةً تُعجز زينب.
ليست أسئلة الأطفال العادية عن النجوم والحيوانات والطعام.
كانت أسئلة يطرحها الفلاسفة في المجالس الكبرى.
ذات مساء، كانا جالسَين أمام الباب، والشمس تغرب، وألوان الأفق تتحول من ذهبي إلى قرمزي إلى بنفسجي. وسعد يتأمل المشهد بعيون لا تكلّ.
ثم سأل فجأة: "يا زينب، لماذا يظلم الغني الفقير؟"
قالت زينب: "لأنه يستطيع."
قال: "لكن لماذا يريد أن يفعل ذلك أصلاً؟"
فكّرت زينب. قالت: "لأنه يريد المزيد."
قال: "لكن عنده الكثير بالفعل. لماذا يريد المزيد؟"
قالت: "لأن الطمع لا يُشبَع."
صمت سعد لحظة. ثم قال: "هذا لا يعني أن الظلم صواب."
قالت: "بالطبع لا."
قال: "إذن لماذا لا يوقفه أحد؟"
توقفت زينب.
نظرت إلى هذا الطفل الجالس أمام الغروب يسألها بعيون جادة تماماً لماذا لا يوقف أحد الظلم في هذا العالم.
قالت ببطء: "لأن الذين يستطيعون وقفه يخافون. والذين يريدون وقفه لا يستطيعون."
صمت سعد طويلاً.
ثم قال بهدوء شديد:
"إذن يجب أن يأتي يوماً شخص يستطيع ويريد في آن واحد."
لم تُجب زينب.
لكنها نظرت إليه وفي قلبها شيء يشبه الخوف ويشبه الأمل معاً. «هل هذا الطفل يتحدث عن نفسه؟ أم أنه يتحدث عن العالم الذي لم يُولد بعد؟»
الحادثة التي لم تنسَها زينب حتى آخر أيامها.
كان سعد في عمر الأربع سنوات وبضعة أشهر. وكانت زينب تُعلّمه الحساب بطريقتها البسيطة بحصى تضعها أمامه على الأرض الترابية.
قالت: "إذا كان عندي خمس حصيات، وأخذت منك ثلاثاً، كم يبقى عندك؟"
قال سعد دون أن يتردد: "اثنتان."
قالت: "أحسنت. والآن، إذا كان عندي عشر، وأخذت"
قاطعها سعد: "لماذا تأخذين؟"
توقفت. قالت: "ماذا؟"
قال بجدية تامة: "الحساب يقول كم يبقى. لكن لا يقول لماذا تأخذين أصلاً. هل الأخذ عدل؟"
نظرت إليه زينب.
قالت: "إنه مجرد مثال يا سعد. للتعليم فحسب."
قال: "أعرف. لكنني أُفكر. التاجر في السوق كان يحسب جيداً. كان يعرف كم يأخذ بالضبط. لكن حسابه الصحيح لم يجعل فعله صحيحاً."
صمتت زينب.
ثم قالت بصوت خافت: "ما الذي تريد قوله يا سعد؟"
قال: "إن العلم أداة. والأداة لا تعرف الصواب من الخطأ. إنما الذي يعرف هو الإنسان الذي يحملها."
وضعت زينب الحصى على الأرض ببطء.
جلست وظهرها مستقيم. نظرت إلى الطفل أمامها. أربع سنوات وبضعة أشهر. يتحدث عن أخلاق العلم.
قالت أخيراً: "من أين تأتيك هذه الأفكار يا سعد؟"
نظر إليها. وللمرة الأولى منذ أمد بعيد، رأت في عينيه شيئاً ليس جدية ولا تساؤلاً.
رأت وحدة.
قال بهدوء: "لا أحد يتحدث معي عن هذه الأشياء. فأفكر فيها وحدي."
آلم زينب شيء في صدرها.
مدّت يدها، ووضعتها فوق يده الصغيرة.
قالت: "من الآن فصاعداً، أنا من تتحدث معك عنها."
ابتسم سعد. ابتسامة حقيقية، نادرة، تختلف عن سائر ابتساماته. وبقيت تلك الابتسامة في قلب زينب العجوز كشمعة لا تنطفئ.
في عمر الخامسة، دخل عالم قمرية معلّم.
كان اسمه أبو طاهر رجل في الخمسين، نحيل، يرتدي عمامة بيضاء دائماً، عيناه صغيرتان لكن فيهما ذكاء حاد كالسكين. جاء به حارث من مدينة بعيدة ليُعلّم عادل القراءة والكتابة والحساب والتاريخ والفقه والفلك.
لم يكن في الخطة أن يُعلّم قمرية.
لكن قمرية قررت خلاف ذلك.
في اليوم الأول لأبي طاهر، جلس مع عادل في غرفة الدراسة. وبعد عشر دقائق، فتح الباب ببطء، ودخلت قمرية، وجلست في الزاوية دون أن تقول كلمة.
التفت إليها أبو طاهر.
قال بصوت رسمي: "هذا الدرس لأخيك فحسب يا صغيرة."
قالت قمرية دون أن تتحرك من مكانها: "أعرف. لكنني لن أُزعج. فقط أستمع."
نظر إليها أبو طاهر. ثم نظر إلى الباب. ثم قرر أن يتجاهلها وعاد إلى عادل.
بعد ربع ساعة، كان يشرح لعادل حرف الألف وكيف يُكتب.
فجأة سمع صوتاً من الزاوية.
كانت قمرية تُردد بهدوء، دون أن تُدرك أنها تتكلم بصوت مسموع، كل ما يقوله أبو طاهر. كلمةً بكلمة. كأنها تُثبّته في ذاكرتها.
توقف أبو طاهر.
التفت إليها.
قال: "ما الذي تفعلينه؟"
نظرت إليه قمرية ببراءة تامة. قالت: "أحفظ."
قال متجهماً: "الحفظ يحتاج كتاباً. وقلماً. وورقاً."
قالت قمرية وهي تُشير إلى رأسها: "عندي هذا."
في اليوم التالي، اشتكى أبو طاهر لحارث.
قال: "سيدي حارث، ابنتك تدخل غرفة الدراسة دون إذن."
قال حارث: "وهل أزعجت؟"
قال: "لا. لكن..."
قال حارث: "وهل تعلّمت؟"
توقف أبو طاهر.
قال بتردد: "تبدو كذلك. لكن الأمر غير..."
قال حارث: "غير مألوف؟"
قال: "غير لائق. هي فتاة يا سيدي."
صمت حارث لحظة طويلة. نظر من النافذة إلى القرية.
ثم قال بنبرة هادئة لكن حازمة: "أبا طاهر، أنا أدفع لك لتُعلّم. وهي تريد أن تتعلم. ولا أرى في ذلك ما يُقلق."
فتح المعلم فمه. ثم أغلقه.
قال بصوت منخفض: "كما تأمر يا سيدي."
وفي اليوم التالي، حين دخلت قمرية الغرفة، وجدت كرسياً صغيراً يُنتظرها بجانب كرسي عادل.
نظرت إلى الكرسي. ثم نظرت إلى أبي طاهر.
كان يُحضّر أوراقه دون أن ينظر إليها. لكن كان في طرف شفتيه شيء يشبه الابتسامة الصغيرة التي يُحاول إخفاءها.
جلست قمرية. ولم تقل شيئاً. لأن بعض المعارك تُكسَب بالصمت لا بالكلام.
كانت قمرية تتعلم بسرعة تُقلق أبا طاهر وتُبهجه في آن واحد.
لكن ما اكتشفه المعلم سريعاً هو أن قمرية لا تتعلم بالطريقة ذاتها التي يتعلم بها عادل.
عادل كان يحفظ ما يُقال له. يحفظه جيداً ويُعيده بدقة.
أما قمرية فكانت تُحوّل كل شيء تتعلمه إلى سؤال.
حين تعلّمت حروف الهجاء، قالت: "لماذا هي بهذا الشكل تحديداً؟ من رسمها أول مرة؟"
حين تعلّمت الجمع والطرح، قالت: "هل يُمكن أن يكون الحساب مختلفاً في مكان آخر؟"
حين تعلّمت عن المملكتين المحيطتين، قالت: "إذا كانتا تتشاجران، فمن يتألم أكثر؟ الملوك أم الناس العاديون؟"
في البداية كان أبو طاهر يُجيب على أسئلتها بقدر ما يستطيع. ثم بدأ ينفد صبره أحياناً.
قال لها ذات يوم: "يا قمرية، الدرس له حدود. الأسئلة لا نهاية لها."
فنظرت إليه بعيون جادة وقالت: "وهل العلم له نهاية يا أبا طاهر؟"
صمت المعلم.
ثم قال بشيء يشبه الاستسلام: "لا."
قالت: "إذن لماذا نضع له حدوداً؟"
أغلق أبو طاهر كتابه. نظر إلى السقف. تنفّس بعمق.
ثم قال: "الدرس انتهى لليوم."
وحين خرج، سمع خلفه صوت عادل يهمس لقمرية: "لقد أربكتِه مرة أخرى."
وصوت قمرية يُجيب ببراءة: "لم أقصد ذلك. أنا فقط أسأل." وكان الله وحده يعلم كم ستُربك هذه الطفلة العالم من حولها في السنوات القادمة.
في «وادي الحجر»، في عمر الرابعة، اكتشف سعد الكتب.
ليس عن طريق معلم. ولا عن طريق مكتبة.
عن طريق الصدفة.
كان يمشي خلف زينب في السوق، حين رأى رجلاً عجوزاً يجلس أمام بسطة صغيرة عليها أشياء قديمة أوانٍ صدئة، قطع نسيج بالية، وأطراف البسطة كان عليها كتابان قديمان متهالكان.
توقف سعد.
كانت الكتب مغلقة. لكن على غلاف أحدهما كانت هناك أشكال حروف مكتوبة بخط قديم.
حاول سعد أن يقرأها. لم يستطع. لم يكن تعلّم القراءة بعد بشكل كامل.
لكنه مدّ يده ولمس الغلاف بأطراف أصابعه، كأن في لمس الكتاب شيئاً يستطيع إدراكه.
قال صاحب البسطة بصوت خشن: "لا تلمس ما لن تشتريه."
سحب سعد يده. نظر إلى الرجل.
قال بهدوء: "كم ثمنه؟"
نظر الرجل إلى الطفل الرث الملابس الواقف أمامه.
قال ساخراً: "أكثر مما تملك أنت وعجوزك معاً."
لم يردّ سعد. فقط نظر إلى الكتاب نظرة أخيرة. ثم مضى.
لكنه عاد إلى ذلك المكان كل يوم.
لم يكن يمس شيئاً. كان يقف ويُمعن النظر في الحروف على الغلاف. يوماً بعد يوم. يحاول أن يفكّ رموزها.
وبعد أسابيع، لاحظ الرجل العجوز أن الطفل يأتي كل يوم ويقف وينظر.
في أحد الأيام قال له بنبرة أقل خشونة: "ماذا تنظر؟"
قال سعد: "أحاول أن أقرأ ما هو مكتوب على الغلاف."
نظر إليه الرجل بتمعن.
قال: "هل تعرف القراءة؟"
قال سعد: "بعضها."
قال الرجل: "مكتوب: كتاب الحكمة والأمثال."
ثم، بحركة لم يتوقعها حتى هو، فتح الكتاب وأداره نحو سعد.
كان الكتاب ممتلئاً بعبارات قصيرة مكتوبة بخط قديم متقن.
أمثال وحِكَم جمعها رجل حكيم قبل مئة سنة من قرى وأسفار ومجالس.
جلس سعد أمام البسطة وبدأ يقرأ ببطء. كلمةً كلمة. مستعيناً بما علّمته إياه زينب. وما لم يفهمه سأل صاحب البسطة. والرجل الذي اكتشف سريعاً أن هذا الطفل ليس عادياً أجابه كل مرة.
أمضى سعد ساعتين كاملتين جالساً أمام البسطة يقرأ.
وحين جاءت زينب تبحث عنه وعثرت عليه، وجدته غارقاً في الكتاب ووجهه يقطر تركيزاً.
قالت: "سعد! لقد بحثت عنك في كل مكان!"
لم يرفع رأسه. قال: "اقرئي هذا يا زينب."
أشار إلى عبارة.
انحنت زينب. قرأت: «من عرف نفسه نسي أن يخاف الآخرين.»
رفعت زينب رأسها. نظرت إلى سعد.
قال لها بعيون تلمعان لأول مرة منذ أمد: "هذا صحيح أليس كذلك؟"
قالت: "نعم. صحيح."
قال: "هذا الكتاب فيه الحقيقة. مثل النجوم."
في طريق العودة، سألت زينب صاحب البسطة عن ثمن الكتاب.
قال لها رقماً.
أطرقت زينب. لم يكن عندها ما يكفي.
لكن الرجل العجوز نظر إلى سعد الذي كان يمشي أمامهما وعيناه ما زالتا تحملان وميض ذلك الاكتشاف.
قال للرجل بصوت خافت: "الكتاب للطفل."
صمت الرجل. ثم أومأ. ومدّ يده بالكتاب نحو سعد.
نظر سعد إلى الكتاب في يد الرجل. ثم نظر إلى وجهه. ثم إلى الكتاب مرة أخرى.
قال: "لماذا؟"
قال الرجل العجوز: "لأن الكتب لها أصحابها. وهذا الكتاب ينتمي إليك."
أمسك سعد الكتاب بكلتا يديه. كأنه يُمسك شيئاً ثميناً قابلاً للكسر. ولم يضعه إلا حين نام تلك الليلة. وحتى في نومه مدّت يده نحوه.
في عمر الخامسة فهمت قمرية معنى الحزن لأول مرة.
لم يكن حزنها. كان حزن شخص آخر. وهذا ما جعله أعمق تأثيراً فيها.
كانت سلمى أختها الأكبر التي صارت في الثامنة تبكي في زاوية الغرفة. بكاءً صامتاً كذلك النوع الذي يكون أشد إيلاماً من البكاء المجلجل.
جلست قمرية بجانبها. لم تسأل. فقط جلست.
بعد لحظات، قالت سلمى: "قمرية، هل تعتقدين أنني جميلة؟"
كانت قد سمعت بنات القرية يتحدثن عنها، يقلن إنها سمينة وخدودها ممتلئة أكثر مما ينبغي.
نظرت قمرية إلى أختها. نظرت إليها بالطريقة التي تنظر بها إلى كل شيء بعيون مفتوحة، دون حكم مسبق.
قالت: "أختي، حين تضحكين تضيء الغرفة كلها. وحين تمشين تُشعر الجميع أن هناك احتفالاً. هل هذا جمال؟ أم ليس جمالاً؟"
نظرت سلمى إلى أختها الصغيرة.
قالت: "من علّمكِ هذا الكلام؟"
قالت قمرية ببساطة: "لم يُعلّمني أحد. هذا ما أراه."
مسحت سلمى دموعها. وابتسمت. ابتسامةً حقيقية، تلك التي تكلّمت عنها قمرية.
ولاحظت قمرية أن ضوءاً حقيقياً اشتعل في وجه أختها حين ابتسمت. وفهمت في تلك اللحظة شيئاً لم تجد له كلمات بعد:
أن الكلمة الصحيحة في اللحظة الصحيحة تستطيع أن تُضيء شخصاً من الداخل.
وأن هذه الكلمة ليس كل أحد يعرف كيف يجدها.
في نهاية السنة الخامسة ، حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه. في «ذات النخيل»، كان أبو طاهر يُعلّم عادل وقمرية تاريخ المملكتين المحيطتين مملكة الشمال ومملكة الجنوب، وكيف كانتا تتصارعان على منابع النهر منذ أجيال.
وكان أبو طاهر يشرح الأسباب: الأرض، والمال، والنفوذ. وكيف أن كل حرب بدأت بخلاف صغير تحوّل إلى حريق.
رفعت قمرية يدها.
قال أبو طاهر: "نعم يا قمرية؟"
قالت: "لكن ألم يكن أحد قادراً على إيقاف تلك الحرب قبل أن تبدأ؟"
قال: "حاول كثيرون."
قالت: "لكن لماذا فشلوا؟"
قال: "لأن الملوك كانوا عنيدين. وكل منهم كان يرى أنه على حق."
قالت: "ولكن ألم يكن كل منهم يرى خسارة شعبه؟ الجنود الذين يموتون، والأسر التي تتفكك، والقرى التي تحترق ألم يكن الملوك يرون ذلك؟"
قال أبو طاهر ببطء: "كانوا يرون. لكنهم كانوا يظنون أن النصر يستحق الثمن."
صمتت قمرية لحظة. ثم قالت بنبرة فيها شيء يتجاوز عمرها بمراحل:
"إذن المشكلة ليست أنهم لم يعرفوا. المشكلة أنهم لم يشعروا. كانوا يحسبون الأرقام لكنهم لم يروا الوجوه."
صمت أبو طاهر صمتاً طويلاً.
ثم قال بصوت خافت، كأنه يُحدّث نفسه: "في سبعين عاماً من التعليم، لم أسمع هذه الفكرة بهذا الوضوح."
نظر إلى قمرية.
قال: "من أين لكِ هذا يا قمرية؟"
أجابت ببساطة طفولية: "من جه أختي حين تبكي. ومن أبي حين يستمع للناس." تعلّمت قمرية من الكتب. لكنها تعلّمت من الناس أكثر.
وهذا هو الفارق الذي لم يكن أبو طاهر يتوقع أن يجده في طفلة في الخامسة من عمرها.
وفي تلك الليلة ذاتها، في «وادي الحجر»، كان سعد يقرأ كتابه القديم عند ضوء سراج ضعيف.
ووصل إلى عبارة توقف عندها طويلاً: «أعظم قوة في الدنيا ليست السيف. ولا المال. ولا الجيوش. إنها أن تجعل الناس يفعلون ما تريد وهم يظنون أنهم يفعلون ما يريدون.»
قرأها مرةً. ثم مرتين. ثم أغمض عينيه وفكّر.
نادى زينب.
جاءت. قالت: "ماذا يا سعد؟"
أشار إلى العبارة.
قرأتها زينب. ثم نظرت إليه.
قالت: "ماذا تريد أن تعرف؟"
قال: "هل هذا صواب؟ أن تجعل الناس يفعلون ما تريد دون أن يعلموا؟"
قالت زينب: "يعتمد."
قال: "على ماذا؟"
قالت: "على ما تريده أنت. إذا أردت الخير لهم، فربما. وإذا أردت نفسك فقط، فهو ظلم."
قال سعد بهدوء: "إذن الأداة ذاتها تستطيع أن تكون خيراً أو شراً."
قالت: "نعم."
صمت سعد. ثم قال شيئاً جعل زينب تُمسك بكرسيها:
"إذن المهم ليس كيف تستخدمها. المهم من أنت قبل أن تُمسكها."
أطفأت زينب السراج بعد أن نام سعد.
وجلست في الظلام وحدها تفكر في هذا الطفل الغريب. خمس سنوات . يتحدث عن أخلاق القوة.
ماذا سيقول وهو في العاشرة؟
وماذا سيفعل وهو في العشرين؟
في «ذات النخيل»، نامت قمرية وهي تُفكر في وجوه الملوك الذين لا يرون وجوه شعوبهم.
وفي «وادي الحجر»، نام سعد يده تحت خده وكتابه بجانب رأسه، يحلم بعبارات لا يفهم كل كلمة فيها بعد، لكنه يُحسّ بثقلها.
طفلان في عمر الخامسة .
لم يلتقيا. ولم يسمع أحدهما باسم الآخر.
لكن أسئلة قمرية وأسئلة سعد كانت دون أن يعلم أحد تسير في اتجاه واحد.
نحو عالم لم يكن أحد قد تخيّل شكله بعد. [نهاية الفصل الخامس]
اهلا زوار وأعضاء المنتدى الكرام اعتذر على التأخير الشغف كان طاير بي الحمد لله رجع
اليوم رح انشر فصلين الأول هو هذا والثاني بعد قليل
احب اشكر صديقي @راحِل الروح لانه رجع لي الشغف قراءة ممتعة
الفصل السادس:
العنوان : مدرسة الشوارع ومدرسة القصر
من السنة الخامسة حتى السابعة من العمر
في عمر الخامسة، تغيّر درس أبي طاهر. لم يتغير المعلم. ولم يتغير المكان. لكن قمرية تغيّرت.
كانت في الفصل الأول تستمع فقط. ثم صارت تسأل. والآن، في عمر الخامسة، صارت تُلاحظ.
يوماً كان أبو طاهر يشرح لعادل وقمرية قصة عن ملكين ملك عادل وملك ظالم كيف حكم كل منهما وكيف أحبه الناس أو كرهوه.
قال أبو طاهر في نهاية القصة: "والملك العادل أحبه شعبه. والملك الظالم كرهه شعبه. هذا هو الدرس."
رفعت قمرية يدها.
قال أبو طاهر: "نعم؟"
قالت: "لكن الملك الظالم في القصة كان يظن أنه عادل."
توقف أبو طاهر.
قال: "من أين جاءكِ هذا؟"
قالت: "لأنه حين أصدر أحكامه الظالمة كان يبتسم. من يعرف أنه يظلم لا يبتسم بهذه الراحة."
نظر أبو طاهر إلى الطفلة أمامه.
لم تكن قمرية تُحلل النظام السياسي. ولم تكن تبحث في جذور الظلم. فقط رأت شيئاً بسيطاً لاحظته في وجه الملك كما وصفه المعلم.
لكن هذا الشيء البسيط كان يقلب الدرس كله رأساً على عقب.
قال أبو طاهر ببطء: "إذن ما الدرس الحقيقي في رأيكِ؟"
فكّرت قمرية. ثم قالت:
"إن أخطر الظلم هو الذي لا يعرف أنه ظلم."
صمت الغرفة.
قال عادل وهو ينظر إلى أخته: "كيف تفكرين بهذه الطريقة؟"
قالت قمرية ببراءة تامة: "لا أعرف. فقط أنظر إلى الناس."
في "وادي الحجر"، في العمر ذاته:
كان سعد قد أتمّ كتاب الحكمة والأمثال للمرة الثالثة.
ليس لأنه نسي ما فيه. بل لأنه في كل مرة كان يجد فيه شيئاً لم يره في المرة السابقة.
قال لزينب ذات مساء: "هذا الكتاب يتغير."
قالت زينب: "الكتب لا تتغير يا سعد. أنت الذي تتغير."
توقف سعد عند هذه الجملة.
قال: "يعني أن ما أفهمه من أي شيء يعتمد على من أنا حين أقرأه."
قالت: "نعم."
قال: "إذن شخصان يقرآن الكتاب ذاته يمكن أن يفهما شيئين مختلفين تماماً."
قالت: "نعم."
صمت سعد. ثم قال بنبرة تقريرية:
"إذن أخطر شيء في الدنيا ليس الجهل. أخطر شيء هو أن تظن أنك فهمت وأنت لم تفهم بعد."
وضعت زينب الكتاب الذي كانت تحمله.
نظرت إليه.
قالت: "من أين لك هذا يا سعد؟"
قال: "من الكتاب نفسه. هناك مثل في الصفحة الأولى لم أفهمه في المرة الأولى. وفهمته في الثانية. وفهمت شيئاً أعمق منه في الثالثة."
قالت: "وما هو؟"
قال: "من ظن أنه وصل، فقد وقف."
في ذلك الشهر، أخذت زينب سعداً إلى المعبد الصغير في القرية.
كان فيه شيخ اسمه أبو سليم. رجل في السبعين أمضى نصف عمره طالباً للعلم في مدن كبيرة قبل أن يعود.
وكان في المعبد ثمانية كتب. فقط ثمانية. لكنها كانت كتباً حقيقية.
قالت زينب لأبي سليم: "عندي طفل يتيم. في الخامسة. أخشى أن عقله أكبر مما تستطيع هذه القرية أن تُعطيه."
قال الشيخ بتشكك: "كثير من الجدات يقلن هذا."
قالت: "أعرف. ولهذا انتظرت خمس سنوات قبل أن آتيك."
قال: "أحضريه."
وضع أبو سليم أمام سعد ثلاثة أسئلة في الحساب. حلّها سعد قبل أن يُكمل الشيخ صياغة السؤال الثالث.
ثم وضع أمامه مسألة معقدة في النسب تحتاج عادةً سنوات من الدراسة.
أغمض سعد عينيه لثوانٍ.
ثم أجاب.
قال الشيخ: "كيف وصلت إلى هذا؟"
قال سعد: "الأرقام لها منطق داخلي. من يفهم المنطق لا يحتاج إلى الحفظ."
قال الشيخ: "وإذا لم يكن هناك منطق؟"
قال سعد: "يعني السؤال خاطئ."
صمت الشيخ طويلاً.
ثم قام ومشى إلى الرف.
قال: "الكتب. خذ ما تريد."
مشى سعد إلى الرف ببطء. نظر إلى الكتب الثمانية بعيون تمسح وتقيس. ثم مدّ يده وأخذ واحداً.
كتاب في تاريخ الحروب الكبرى.
قال الشيخ: "لماذا هذا تحديداً؟"
قال سعد: "لأن الحروب هي الوقت الذي يظهر فيه الناس كما هم حقاً. في السلم يتظاهرون. في الحرب لا وقت للتظاهر."
خرجت زينب من المعبد وفي قلبها خوف هادئ. ليس خوفاً من سعد. بل خوفاً على العالم الذي سيلتقي به يوماً ما.
قرأ سعد كتاب الحروب في أربعة أيام.
عاد إلى الشيخ بملاحظة واحدة:
"المؤلف يقول إن الجيش الشمالي انتصر في معركة الوادي لأنه كان أكبر. لكن هذا خطأ."
رفع الشيخ رأسه ببطء.
قال: "تابع."
قال سعد: "الجيش الكبير لا ينتصر بحجمه. ينتصر بما يعرفه عن عدوه. قائد الشمال هاجم ليلاً من الجانب لأنه فهم شيئاً واحداً فقط: العدو يتوقع الهجوم من الأمام نهاراً. كسر التوقع هو الذي أسقط الجيش الأكبر. الحجم لم يكن المسألة أبداً."
قال الشيخ: "هل قرأت هذا التحليل في الكتاب؟"
قال سعد: "لا. الكتاب ذكر الوقائع فقط. أما السبب الحقيقي فاستنتجته."
قام الشيخ وأخرج كتاباً أضخم. كتاب في الاستراتيجية والسياسة لقائد حرب قديم كتبه من تجربته الشخصية.
أخذه سعد.
قرأه في ثلاثة أيام.
وعاد بثلاثة استنتاجات يُصحّح فيها المؤلف نفسه.
والتصويبات الثلاثة كانت صحيحة.
قال الشيخ في تلك الجلسة وصوته خافت:
"يا سعد، أنا لم أعد أُعلّمك. أنا أتعلم منك."
قال سعد: "لا. أنت تُعلّمني كيف أطرح السؤال الصحيح. وهذا أهم من أي إجابة."
قال الشيخ: "ومن علّمك هذا؟"
قال سعد: "زينب. قالت لي إن الكتاب لا يتغير. أنت الذي تتغير. ففهمت أن السؤال الصحيح يتغير أيضاً مع كل مرحلة."
نظر الشيخ إلى الطفل أمامه. خمس سنوات. يُصحح كتب العلماء. ويستنتج من زينب العجوز درساً فلسفياً لم تكن هي تعرف أنها علّمته إياه.
في "ذات النخيل"، في عمر السادسة:
كانت قمرية تمشي مع أمها في السوق كعادتها كل أسبوع. وكانت نورة تشتري الخضروات من بسطة امرأة عرفتها منذ سنوات.
وقمرية تمشي ببطء خلف أمها وعيناها تتنقلان بين الوجوه.
ثم توقفت.
كان أمامها رجل يجلس على حجر في طرف السوق. لا يبيع شيئاً. لا يشتري. فقط جالس وينظر إلى الأرض.
اقتربت قمرية منه ببطء.
جلست أمامه على الأرض مباشرة.
رفع الرجل عينيه. نظر إلى الطفلة بحيرة.
لم تقل قمرية شيئاً. فقط نظرت إليه.
بعد لحظات قال الرجل وكأنه يتحدث لنفسه:
"لا شيء يا صغيرة. أنا بخير."
لم تتكلم قمرية. استمرت في النظر إليه بعيون هادئة دافئة.
صمت آخر.
ثم قال الرجل بصوت أجشّ: "خسرت محصولي هذا الموسم. المطر لم يكن كافياً. والديون..."
توقف
قالت قمرية: "هل عندك أولاد؟"
قال: "ثلاثة."
قالت: "وهل يعرفون؟"
قال: "لا. لا أريدهم أن يقلقوا."
قالت قمرية بهدوء: "ربما يريدون أن يعرفوا. ربما يريدون أن يساعدوا."
نظر الرجل إليها.
في تلك اللحظة جاءت نورة وهي تبحث عن ابنتها. وجدتها جالسة أمام رجل غريب تتحدث إليه.
اقتربت. سمعت آخر ما قالته قمرية.
قال الرجل لقمرية بصوت أهدأ: "أنت صغيرة لكنك قلت شيئاً كبيراً."
قالت قمرية: "أنا فقط قلت ما شعرت أنه صحيح."
قام الرجل. مضى.
في طريق العودة، قالت نورة: "يا قمرية، من أين عرفتِ أن يريد أن يتكلم؟"
قالت قمرية: "لأنه كان يجلس في السوق دون أن يفعل شيئاً. الناس حين يكونون بخير لا يجلسون هكذا. يتحركون. يتكلمون. يضحكون. لكن حين يحملون شيئاً ثقيلاً يصيرون ساكنين."
قالت نورة: "ولماذا جلستِ معه؟"
قالت قمرية: "لأنه كان وحيداً في السوق الممتلئ بالناس. وهذه أشد أنواع الوحدة." لم تكن قمرية تعرف أنها في تلك اللحظة فعلت ما يعجز عنه كثير من الكبار. لم تُعطِه حلاً. لم تُعطِه مالاً. فقط جلست معه. فقط رأته. وأحياناً أن يراك أحد هو كل ما تحتاجه.
في عمر السادسة أيضاً، في "وادي الحجر":
جاء إلى المعبد رجل غريب.
كان في الأربعين. ملابسه أفضل من ملابس أهل القرية. عيناه تقيسان كل شيء في الغرفة بسرعة حين يدخل. وكان في طريقة جلوسه شيء يُخبر أنه اعتاد مجالس أكبر من هذا المعبد الصغير.
قال الشيخ لسعد: "هذا الرجل يمر بقريتنا. سمع عنك. يريد أن يتحدث معك."
جلس سعد. نظر إلى الرجل.
ولاحظ في ثوانٍ ثلاثة أشياء: ملابسه جيدة لكن بلا زخرفة، يعني رجل ثروة حقيقية لا يُحتاج إلى إثباتها. وأصابع يده اليمنى فيها حبر قديم، يعني كاتب أو مستشار لا تاجر. ونظرته حين دخل ذهبت أولاً إلى الكتب على الرف لا إلى الناس في الغرفة، يعني رجل يُقدّر العلم.
قال الرجل بنبرة ودية: "سمعت أنك ذكي يا فتى. دعنا نتحدث قليلاً."
قال سعد: "تفضل."
قال الرجل: "عندي تاجر صديق. عنده سفينتان. الأولى سريعة وصغيرة. والثانية بطيئة وكبيرة. يريد أن يُحقق أكبر ربح في رحلة واحدة. أيهما يستخدم؟"
السؤال بدا بسيطاً في ظاهره.
لكن سعداً لم يُجب.
نظر إلى الرجل نظرة طويلة. ثم قال:
"هذا السؤال ناقص."
توقف الرجل.
قال سعد: "لأن الإجابة تعتمد على أشياء لم تذكرها. ما طبيعة البضاعة؟ هل تفسد بالوقت؟ وما المسافة؟ وهل الطريق آمن؟ وهل يحتاج المال الآن أم يستطيع الانتظار؟ لو البضاعة تفسد فالسريعة حتى لو حملت أقل. لو البضاعة لا تفسد والطريق آمن فالكبيرة. لو الطريق فيه خطر فالسريعة لأن خسارة سفينة صغيرة أهون."
صمت الرجل طويلاً.
ثم قال بنبرة تغيّرت تماماً: "كم عمرك؟"
قال سعد: "ستة."
قال الرجل: "رأيت تجاراً في أكبر مدن المملكة لا يُفكرون بهذه الطريقة."
قال سعد بهدوء: "لأنهم يبحثون عن إجابة سريعة. والإجابة السريعة لسؤال ناقص دائماً خاطئة."
بعد أن مضى الرجل، بقي سعد مع الشيخ.
قال أبو سليم: "هل تعرف من هو؟"
قال سعد: "مستشار. ليس تاجراً."
قال الشيخ: "من أين تعرف؟"
قال سعد: "أصابعه. والطريقة التي نظر بها إلى الكتب حين دخل."
أومأ الشيخ.
قال: "إنه مستشار أحد الأمراء في المدينة الكبرى. وقد عرض أن يأخذك معه. أن تتعلم هناك."
صمت سعد.
صمتاً طويلاً لم يكن فيه تردد العاجز عن القرار. بل كان فيه تفكير شخص يقيس أبعاداً كثيرة في آن واحد.
ثم قال: "وزينب؟"
قال الشيخ: "هذا أنت من يقرره يا سعد."
قال سعد: "لا أريد أن أقرر الآن."
قال الشيخ: "الرجل ينتظر جوابك غداً."
قال سعد: "إذن سأُجيبه غداً."
في ذلك المساء، جلس سعد بجانب زينب أمام الباب.
السماء كانت صافية والنجوم التي علّمته إياها واحدةً واحدة كانت في أماكنها المعتادة.
أخبرها بكل شيء.
صمتت زينب حين انتهى.
يداها على ركبتيها. عيناها في السماء.
ثم قالت: "وماذا تريد أنت؟"
قال سعد: "أريد أن أعرف كل شيء. أريد أن أفهم كيف يسير العالم. أريد كتباً أكثر وأسئلة أكبر وعقولاً أُحادثها. لكنني..."
توقف.
قالت زينب: "لكنك لا تريد أن تتركني."
لم يُجب.
قالت زينب بصوت هادئ جداً: "سعد، أنا أعرف شيئاً عن الفرص. تعلّمته من الحياة لا من الكتب. الفرص لا تأتي مرتين لأصحاب الكتب في القرى الصغيرة. وأنت لست صاحب كتاب عادياً."
قال سعد: "وأنت؟"
قالت: "أنا عشت حياتي. وأجمل ما فيها أنني رأيتُك تكبر. وأجمل ما يمكن أن أراه قبل أن أرحل هو أن تذهب."
صمت سعد.
نظر إلى النجوم.
قال: "وعدتِني أن تبقي."
قالت زينب بابتسامة حزينة دافئة: "وأبقى. في كل كتاب تقرأه. في كل سؤال تطرحه. في كل مرة تتذكر أن الكلمة الصادقة أثبت من الحجر."
صمت طويل.
ثم قال سعد بصوت خافت جداً:
"أنا خائف."
كانت هذه أول مرة يقول فيها هذه الكلمة.
في حياته كلها.
مدّت زينب يدها ووضعتها على يده.
قالت: "أعرف. والخوف لا يعني التوقف. يعني أنك تعرف قيمة ما تُقدم عليه."
في الصباح، ذهب سعد إلى المعبد.
كان الرجل المستشار ينتظره.
قال سعد دون مقدمات: "سأذهب. لكن بشرط واحد."
نظر المستشار إليه باهتمام.
قال سعد: "زينب. من يعتني بها حين أكون بعيداً."
قال الرجل: "هذا يمكن ترتيبه."
قال سعد: "ليس ترتيباً. أريد ضماناً. شخص من أهل القرية أعرفه وأثق به يتعهد بذلك أمام الشيخ."
نظر المستشار إلى الطفل أمامه.
ستة سنوات. يضع شروطاً ويطلب ضمانات.
قال بشيء يشبه الاحترام: "حسناً."
في اليوم الذي غادر فيه سعد، لم تبكِ زينب.
أو بالأصح، بكت قبل ذلك بليلة كاملة. وحين جاء الصباح، كانت وجهها هادئاً.
أمسكت وجهه بيديها العجوزتين.
قالت: "ثلاثة أشياء لا تنساها أبداً."
قال: "قل."
قالت: "أولها: عقلك أداة. والأداة لا تعرف الخير من الشر. أنت من يُقرر. ثانيها: أمك أعطتك الحياة ولم تأخذ منك شيئاً. لا تُهدر ما أعطته. وثالثها..."
توقفت.
قال سعد: "وثالثها؟"
قالت بصوت خافت: "النجوم التي علّمتُك إياها. حين تضيع في المدن الكبيرة وتنسى من أنت، انظر إليها. فهي لا تكذب."
أمسك سعد يديها لحظة.
ثم انطلق.
ولم يلتفت. لأنه لو التفت لما استطاع أن يمضي.
في "ذات النخي"، كانت قمرية في ذلك اليوم تجلس في حضن أبيها بعد انتهاء مجلسه، تستمع إلى قصة يحكيها لها عن جدها الذي بنى القرية.
وفي طريق مجهول بين "وادي الحجر" والمدينة الكبرى، كان سعد يسير بجانب المستشار وعيناه في الأفق.
لم يكن يحزن. لم يكن يخاف. كان يُفكر.
ما الذي ينتظره هناك؟
وما الذي سيجد فيه ما لم يجده في الكتب الثمانية ولا في حكايات زينب؟
لم يكن يعرف بعد.
لكنه كان يعرف شيئاً واحداً:
أنه لم يُغادر ليصبح كبيراً.
غادر ليفهم.
والفرق بين الاثنين كما قال له الكتاب القديم ذات مرة هو كل شيء.